تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8660

مساهمون:

ص٨٦٦٠
صحيح أن في الأولى إثباتاً وفي الأخرى نفياً ، والنظرة العَجْلَى تقول : إن ثمة تعارضاً بين الآيتين ، مما حمل العلماء على القول بأن ( لا ) في الآية الثانية زائدة ، فالأصل { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ . . } [ ص : 75 ] والقول بوجود حروف زائدة في كتاب الله قول لا يليق ، ونُنزّه المتكلم سبحانه أن يكون في كلامه زيادة ، والمتأدب منهم يقول ( لا ) حرف وَصْل ، كأنه يستنكف أن يقول : زائدة . والحقيقة أن ( لا ) هنا ليست زائدة ، وليست للوَصْل ، بل هي تأسيس يضيف معنى جديداً ، لأن { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ . . } [ ص : 75 ] كأنه همَّ أن يسجد ، فجاءه مَنْ يمنعه عن السجود ، لأنه لا يقال : ما منع من كذا إلا إذا كان لديك استعداد للفعل ، وإلا من أيّ شيء سيمنعك ؟ أما و { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ . . } [ الأعراف : 12 ] تعني : ما منعك بإقناعك بأن لا تسجد ، فالمعنيان مختلفان ، ونحن في حاجة إليهما معاً . ثم يقول تعالى : { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً . . } [ الإسراء : 61 ] والهمزة للاستفهام الذي يحمل معنى الاعتراض أو الاستنكار ، وقد فُسِّرت هذه الآية بآيات أخرى ، مثل قوله تعالى : { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ الأعراف : 12 ] فالمخلوقية لله مُتفق عليها ، إنما الاختلاف في عنصر المخلوقية هذا من نار وهذا من طين ، لكن من قال لك يا إبليس : إن النار فوق الطين ، أو خير منه ؟ من أين أتيتَ بهذه المقولة وكلاهما مخلوق لله ، وله مهمة في الكون ؟ وهل نستطيع أن نقول : إن العين خير من الأذن مثلاً ؟ أم أن لكل منهما مهمتها التي لا تؤديها الأخرى ؟