وقال تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [ هود : 117 ]
فهذه آيات مُخصِّصة تُوضِّح الاستثناء من القاعدة السابقة ، وتُقيِّد المبدأ السابق والسور العام الذي جاءت به الآية ، فيكون المعنى إذن وإنْ من قرية غير غافلة وغير مُصلِحة إلا والله مُهلكها أو مُعذِّبها .
وقوله : { وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا } [ الإسراء : 58 ]
{ مُهْلِكُوهَا } أي : بعذاب الاستئصال الذي لا يُبقِى منهم أحداً .
{ مُعَذِّبُوهَا } أي : عذاباً دون استئصال .
لأن التعذيب مرحلة أولى ، فإنْ أتى بالنتيجة المطلوبة وأعاد الناس إلى الصواب فبها ونِعْمتْ وتنتهي المسألة ، فإنْ لم يقتنعوا وأصرُّوا ولم يرتدعوا وعاندوا يأتي الإهلاك ، وهذا واضح في قول الحق سبحانه : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ]
والواقع أن في حاضرنا شواهدَ عدة على هذه المسألة ، فلا بُدَّ لأيِّ قرية طغتْ وبغَتْ أن ينالها شيء من العذاب ، والأمثلة أمامنا واضحة ، ولا داعيَ لذكرها حتى لا ننكأ جراحنا .
وطبيعي أن يأتي العذاب قبل الإهلاك ؛ لأن العذاب إيلام حيّ
تفسير الشعراوي — صفحة 8626
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٢٦