نفسه مستور بحجاب الغير ، كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت من طبقتين ، فتصبح الستارة نفسها مستورة ، وكما في قوله تعالى : { ظِلاًّ ظَلِيلاً . . } [ النساء : 57 ] أي : أن الظلَّ نفسه مُظَلّلٌ .
وانظر إلى حال المجتمع إذا لم تُرَاعَ فيه العهود ، ولم تُحترمَ المواثيق ، مجتمع يستهين أهله بالوفاء وشرف الكلمة ، فسوف تجده مجتمعاً مُفكّكاً فُقِدت فيه الثقة بين الناس ، وإذا ما فُقِدت الثقة وضاع الوفاء وشرف الكلمة الذي تُدار به حركة الحياة فاعلم أنه مجتمع فاشل ، وليس أَهْلاً لرقيٍّ أو تقدُّم .
ولأهمية العهد في الإسلام نجده ينعقد بمجرد الكلمة ، وليس من الضروري أن يُسجَّل في سجلات رسمية ؛ لأن المؤمن تثق في كلمته حتى إن لم تُوثَّق وتكتب .
ومن هنا وُجِد ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني ، فيقولون : هذا قضاءً وهذا ديانة ، والفرق واضح بينهما ، ويمكن أن نضرب له هذا المثل :
هَبْ أنك أخذتَ دَيْناً من صديق لك ، وكتب له مستنداً بهذا الدين ليطمئن قلبه ، ثم قابلته بعد أن تيسَّر لك السداد ووفَّيت له بدَيْنه . لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه الآن ، فقلت له : لا عليك أرسله لي متى شئتَ ، فلو تصوَّرنا أنه أراد الغدر بك وأنكر سداد الدين ، فالقضاء يقول : له الحق في أخذ دَيْنه ، أما ديانة فليس له شيء .
إذن : العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسؤولية الدينية وليس القضائية .
تفسير الشعراوي — صفحة 8525
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٢٥