لذلك أجَّلَ الله تعالى التكليف للإنسان إلى سِنِّ البلوغ ؛ لأنه لو كلَّفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتجَّ بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف .
ثم يقول تعالى : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً } [ الإسراء : 34 ] { العهد } ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقداً اختيارياً يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته ، وأول عقد أُبرٍمَ هو العَقْد الإيماني الذي أخذه الله تعالى علينا جميعاً ، وأنت حُرٌّ في أن تدخل على الإيمان بذاتك مختاراً أو لا تدخل ، لكن حين تدخل إلى الإيمان مُخْتاراً يجب أن تلتزم بعهد الإيمان ؛ لأن الله لا يريد منّا قوالب تخضع ، ولكن يريد مِنّا قلوباً تخشع ، ولو أراد الله منّا قوالب تخضع ما استطاع واحد مِنّا أنْ يشذّ عن الإيمان بالله .
لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله :
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [ الشعراء : 3 - 4 ]
فالله لا يريد أعناقاً ، وإنما يريد قلوباً ، لكن يخلط كثير من الناس إنْ أمرته بأمر من أمور الدين فيقول : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين . . } [ البقرة : 256 ]
نقول له : أنت لم تحسن الاستدلال ، المراد : لا إكراه في أنْ تدخل الدين ، ولكن إذا دخلتَ فعليك الالتزام بمطلوباته .
ومن باطن هذا العهد الإيماني تنشأ كل العقود ، لذلك يجب الوفاء بالعهود ؛ لأن الوفاء بها جزء من الإيمان ، فأنت حُرٌّ أن تقابل فلاناً
تفسير الشعراوي — صفحة 8523
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٢٣