تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8517

مساهمون:

ص٨٥١٧
والحق سبحانه وتعالى كما شرع القصاص ، وجعله في يد وليّ الدم ، أراد في الوقت نفسه ألاَّ يحرم المجتمع من طموحات العفو الذي يُنهي أصول الخلاف ، فيقول تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . . } [ البقرة : 178 ] ففي جَوِّ القتل وثورة الدماء التي تغلي بالثأر يتكلم الحق سبحانه عن العفو والأخوة والمعروف والإحسان ، فمهما كان الأمر فالمؤمنون إخوة ، وباب العفو والإحسان مفتوح . ولوليّ الدم بعد أن أعطيناه حَقَّ القصاص ندعوه إلى العفو ، وله أن يأخذ الدية وتنتهي المسألة ، وله أن يعفوَ عن بعضها أو عنها كلها . إذن : فإعطاء الحق مَنع عن المقتول له ذِلّة التسلُّط من القاتل ؛ لأن الله تعالى أعطاه حَقَّ القصاص منه ، فإذا ما عفا عنه علم القاتل أن حياته أصبحت هبة من ولي الدم ، وما دام الأمر كذلك فسوف تتلاشى بينهما الضغائن والأحقاد ، ويحل محلها الوفاق والمحبة والسلام ، ونُنهي تسلسل الثارات الذي لا ينتهي . وقد اشتهر في صعيد مصر وكان مثالاً للأخْذ بالثأر أن القاتل يأخذ كفنه في يده ، ويذهب به إلى وليّ الدم ويُسلِّم نفسه إليه معترفاً بجريمته ، معطياً لولي الدم حرية التصرف فيه . فما يكون من ولي الدم أمام هذا الاستسلام إلاّ أن يعفوَ ويصفح ، وبذلك تُقتلَع الضغائن من جذورها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8517 | محمد متولي الشعراوي