أي : خَوْفاً من الفقر ، والإملاق : مأخوذة من مَلَق وتملّق ، وكلها تعود إلى الافتقار ؛ لأن الإنسان لا يتملَّق إنساناً إلا إذا كان فقيراً لما عنده محتاجاً إليه ، فيتملَّقه ليأخذ منه حاجته .
وقوله : { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم . . } [ الإسراء : 31 ]
وفي هذه الآية مَلْمح لطيف يجب التنّبه إليه وفَهْمه لنتمكن من الردِّ على أعداء القرآن الذين يتهمونه بالتناقض .
الحق سبحانه وتعالى يقول هنا : { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ . . } [ الإسراء : 31 ]
أي : خَوْفاً من الفقر ، فالفقر إذن لم يَأْتِ بعد ، بل هو مُحْتمل الحدوث في مستقبل الأيام ، فالرزق موجود وميسور ، فالذي يقتل أولاده في هذه الحالة غير مشغول برزقه ، بل مشغول برزق أولاده في المستقبل ؛ لذلك جاء الترتيب هكذا : { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ . . } [ الإسراء : 31 ]
أولاً : لأن المولود يُولَد ويُولَد معه رزقه ، فلا تنشغلوا بهذه المسألة ؛ لأنها ليستْ من اختصاصكم .
ثم : { وَإِيَّاكُم . . } [ الإسراء : 31 ]
أي : أن رِزْق هؤلاء الأبناء مُقدَّم على رزقكم أنتم ، ويمكن أن يُفْهَم المعنى على أنه : لا تقتلوا أولادكم خَوْفاً من الفقر ، فنحن نرزقكم من خلالهم ، ومن أجلهم .
ونهتمّ بتوضيح هذه المسألة ؛ لأن أعداء الدين الذين يُنقِّبون في القرآن عن مَأْخذ يروْنَ تعارضاً أو تكراراً بين هذه الآية التي معنا وبين آية أخرى تقول : { وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ . . } [ الأنعام : 151 ]
ونقول لهؤلاء : لقد استقبلتم الأسلوب القرآني بغير الملَكَة العربية في فَهْمه ، فأسلوب القرآن ليس صناعة جامدة ، بل هو أسلوب بليغ يحتاج في فَهْمه وتدبُّره إلى ذَوْق وحِسٍّ لُغويٍّ .
وإذا استقبلتم كلام الله استقبالاً سليماً فلن تجدوا فيه تعارضاً ولا تكراراً ، فليست الأولى أبلغَ من الثانية ، ولا الثانية أبلغَ من الأولى ، بل كل آية بليغة في موضوعها ؛ لأن الآيتين وإنْ تشابهتَا في
تفسير الشعراوي — صفحة 8492
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٩٢