الإنسان على هذه الصورة من التسخير ، لكنه في هذه الحالة لن يزيد شيئاً ، ولن يضيف جديداً في الكون ، أليستْ الملائكة قائمة على التسخير ؟
فالتسخير يُثبِت القدرة لله تعالى ، فلا يخرج عن قدرته ولا عن مراده شيء ، لكن الاختيار يثبت المحبوبية لله تعالى ، وهذا فَرْقٌ يجب أنْ نتدبّره .
فمثلاً لو كان عندك عبدان أو خادمان أحدهما سعيد ، والآخر مسعود ، فأخذت سعيداً وقيَّدته إليك في حبل ، في حين تركت مسعوداً حراً طليقاً ، وحين أمرت كلاً منهما لَبَّى وأطاع ، فأيّ طاعة ستكون أحبّ إليك : طاعة القهر والتسخير ، أم الطاعة بالاختيار ؟
فكأن الحق تبارك وتعالى خلق الإنسان وكرَّمه بأنْ جعلَه مختاراً في أنْ يطيعَ أو أنْ يعصيَ ، فإذا ما أتى طائعاً مختاراً ، وهو قادر على المعصية ، فقد أثبتَ المحبوبية لربه سبحانه وتعالى .
ولا بُدَّ أنْ تتوافرَ للاختيار شروطٌ . أولها العقل ، فهو آلة الاختيار ، كذلك لا يُكلّف المجنون ، فإذا توفّر العقل فلا بُدَّ له من النُّضْج والبلوغ ، ويتمّ ذلك حينما يكون الإنسان قادراً على إنجاب مِثْله ، وأصبحتْ له ذاتية مولده .
وهذه سِمَة اكتمال الذات ؛ فهو قبل هذا الاكتمال ناقص التكوين ، وليس أَهْلاً للتكليف ، فإذا كان عاقلاً ناضجاً بالبلوغ واكتمال الذات ، فلا بُدَّ له أن يكون مختاراً غَيْرَ مُكْرهٍ ، فإنْ أُكْرِه على الشيء فلن يسأل عنه ، فإنِ اختلَّ شَرْط من هذه الثلاثة فلا معنى للاختيار ، وبذلك يضمن الحق تبارك وتعالى للإنسان السلامة في الاختيار .
تفسير الشعراوي — صفحة 8184
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٨٤