فالقرآن ضرب لنا مثلاً بعمل المرأة الجاهلية ، هذا العمل الذي يحتاج إلى جَهْد ووقت في الغزل ، ويحتاج إلى أكثر منه في نَقْضه وفكِّه ، فهذه عملية شاقة جداً ، وربما أمرت الجواري بفكِّ الغزل والنسيج أيضاً ؛ ولذلك أطلقوا عليها حمقاء قريش .
وقوله :
{ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ . . . } [ النحل : 92 ] .
كلمة قوة هنا تدلُّنا على المراحل التي تمرُّ بها عملية الغَزْل ، وكم هي شاقة ، بداية من جَزِّ الصوف من الغنم أو الوبر من الجمال ، ثم خَلْط أطراف كل تيلة من هذه الشعيرات ، بحيث تكون طرف كل تيلة منها في وسط الأخرى لكي يتم التلاحم بينها بهذا المزج ، ثم تدير المرأة المغزل بين أصابعها لتخرج لنا في النهاية بضعة سنتيمترات من الخيط ، ولو قارنَّا بين هذه العملية اليدوية ، وبين ما توصلتْ إليه صناعة الغزل الآن لَتبيَّن لنا كم كانت شاقة عليهم .
فكأن القرآن الكريم شبَّه الذي يُعطِي العهد ويُوثِّقه بالأيْمان المؤكدة ، ويجعل الله وكيلاً وشاهداً على ما يقول بالتي غزلتْ هذا الغزل ، وتحملت مشقته ، ثم راحتْ فنقضت ما أنجزته ، وفكَّتْ ما غزلته .
وكذلك كلمة ( قوة ) تدلُّناَ على أن كل عمل يحتاج إلى قوة ، هذه القوة إما أنْ تُحرِّك الساكن أو تُسكِّن المتحرِّك ؛ لذلك قال تعالى في آية أخرى : { خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ . . } [ البقرة : 63 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 8178
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٧٨