وهكذا دخلتْ هذه الآيةُ قلوبَ هؤلاء القوم ، واستقرتْ في أفئدتهم ؛ لأنها آيةٌ جامعةٌ مانعةٌ ، دعَتْ لكل خير ، ونَهتْ عن كل شر .
قوله : { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل . . } [ النحل : 90 ] .
ما العدل ؟ العدل هو الإنصاف والمساواة وعدم الميْل ؛ لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين ، لذلك سُمِّي الحاكم العادل مُنْصِفاً ؛ لأنه إذا مَثَلَ الخصمان أمامه جعل لكل منهما نصفَ تكوينه ، وكأنه قسَم نفسه نصفين لا يميل لأحدهما ولا قَيْد شعرة ، هذا هو الإنصاف .
ومن أجل الإنصاف جُعِل الميزان ، والميزان تختلف دِقّته حَسْب الموزون ، فحساسية ميزان البُرّ غير حساسية ميزان الجواهر مثلاً ، وتتناهى دقّة الميزان عند أصحاب صناعة العقاقير الطبية ، حيث أقلّ زيادة في الميزان يمكن أن تحوّل الدواء إلى سُمٍّ ، وقد شاهدنا تطوراً كبيراً في الموازين ، حتى أصبحنا نزن أقلّ ما يمكن تصوّره .
والعدل دائر في كل أقضية الحياة من القمة في شهادة ألا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق ، فالعدل مطلوب في أمور التكليف كلها ، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب ، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح في حركة الحياة .
فكيف يكون العدل في الأمور العقدية ؟
لو نظرنا إلى معتقدات الكفار لوجدنا بعضهم يقول بعدم وجود
تفسير الشعراوي — صفحة 8158
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٥٨