فلا تستقلّ أمر هذه البعوضة ، ولا تستحقر أنْ يجعلها الله مثَلاً ؛ لأنه سبحانه لا يستحي أن يضرب بها المثل ؛ لأن في هذه البعوضة كل أجهزة تكوين الحياة التي فيك ، وفي أضخم الحيوانات مثل الفيل والجمل ؛ ولأن هذه البعوضة التي تستحقرها قد تكون أقوى منك ، وقد تُعجِزك أنت على قوتك وحيلتك وجبروتك .
يقول تعالى : { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] .
بالله عليك ، هل تستطيع على قوتك وإمكاناتك أنْ تستردَ من الذبابة ما أخذتْه من طعامك ؟ هل تقدر على هذه العملية ؟
إذن : حينما يضرب الله لك مَثَلاً يجب أن تحترم ضَرْب الله للمثل ، وأنْ تبحثَ فيما وراء المثل من الحكمة . . وأنه سبحانه جاء بهذا المثَل لهذا المخلوق الحقير في نظرك لِيُوضِّح لك قضية غامضة يُنبِّهك إليها .
ولأهمية ضَرْب المثَل في توضيح الغامض يلجأ إليه الشعراء ليُقرِّبوا المعنى من الأفهام ، فقد يقف الشاعر أمام قضية معقدة لا يدركها إلا العقلاء ، ويريد الشاعر الوصول بها إلى أفهام العامة . . مثل قضية الحاسد الذي يُظهر بحسده مزايا محسوده ومكارمه ، فقد يتهم البريء بتهمة ظلماً ، فتكون سبباً في رِفْعته بين قومه .
أخذ الشاعر العربي هذا المعنى ، وصاغه شعراً ، وضرب له مثلاً توضيحياً ، فقال :
تفسير الشعراوي — صفحة 8094
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٠٩٤