وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم ، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد .
ثم يقول الحق سبحانه : { الذين صَبَرُواْ . . . } .
الحق تبارك وتعالى يريد أن يعطينا تشريحاً لحال المهاجرين ، فقد ظُلِموا واضْطهِدوا وأُوذُوا في سبيل الله ، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم ، بل صبروا وتحملُّوا ، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم ، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم ، حدث هذا منهم اتكالاً على أن الله تعالى لن يُضيِّعهم .
ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا { صَبَرُواْ } بصيغة الماضي ، فقد حدث منهم الصبر فعلاً ، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضتْ وانتهت ، والباقي لهم عِزّة ومنَعة وقوة لا يستطيع أحد أنْ يضطهدهم بعد ذلك ، وهذه من البشارات في الأداء القرآني .
أما في التوكل ، فقال تعالى في حقهم :
{ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ النحل : 42 ] .
بصيغة المضارع ؛ لأن التوكُّل على الله حدث منهم في الماضي ، ومستمرون فيه في الحاضر والمستقبل ، وهكذا يكون حال المؤمن .
وبعد ذلك تكلَّم القرآن الكريم عن قضية وقف منها الكافرون أيضاً موقف العناد والمكابرة والتكذيب ، وهي مسألة إرسال الرسل ، فقال تعالى :
تفسير الشعراوي — صفحة 7946
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٩٤٦