فكيف نتصور أن يكون الرسول مَلَكاً ؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر ؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ ، ولكن كيف يُؤدِّي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي ؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خَلْق جُبِلوا على طاعة الله : { لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] .
ومن أين تأتيه منافذ الشهرة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل ؟
فلو جاء مَلَك برسالة السماء ، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى المعاصي ، ماذا نتوقع ؟ نتوقع أن يقول قائلهم : لا . . لا أستطيع ذلك ، فأنت ملَك ذو طبيعة علوية تستطيع ترْك هذا الفعل ، أما أنا فلا أستطيع .
إذن : طبيعة الأُسْوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً ، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين ، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين .
ومن هنا كان من امتنان الله على العرب ، ومن فضله عليهم أنْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم : { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ . . . } [ التوبة : 128 ] .
فهو أولاً من أنفسكم ، وهذه تعطيه المباشرة ، ثم هو بشر ، ومن العرب وليس من أمة أعجمية . . بل من بيئتكم ، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش ؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه ، تعرفون حركاته وسكناته ، وقد كنتم تعترفون له بالصدق
تفسير الشعراوي — صفحة 7948
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٩٤٨