تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 7842

مساهمون:

ص٧٨٤٢
{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا . . . } [ الأحزاب : 72 ] . وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خيَّر خلقه بين التسخير وبين الاختيار ، إلا أن الكائنات التي هي ما دون الإنسان أخذتْ اختيارها مرَّة واحدة ؛ لذلك لا يجب أنْ يُقال : إن الحق سبحانه هو الذي قهرها ، بل هي التي اختارتْ من أول الأمر ؛ لأنها قدرتْ وقت الأداء ، ولم تقدر فقط وقت التحمل كما فعل الإنسان ، وكأنها قالت لنفسها : فلأخرج من باب الجَمال ؛ قبل أن ينفتحَ أمامي باب ظلم النفس . ونجد الحق سبحانه يصف الإنسان : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] . فقد ظلم الإنسانُ نفسَه حين اختار أنْ يحملَ الأمانة ؛ لأنه قدر وقت التحمُّل ولم يقدر وقت الأداء . وهو جَهُول لأنه لم يعرف كيف يُفرِّق بين الأداء والتحمُّل ، بينما منعت الكائنات الأخرى نفسها من أن تتحمَّل مسؤولية الأمانة ، فلم تظلم نفسها بذلك . وهكذا نصل إلى تأكيد معنى التسخير وتوضيحه بشكل دقيق ، ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة لا يملك أن يتخلَّف عنها ؛ أما الاختيار فهو إيجاد الكائن لِمُهِمة له أنْ يُؤدِّيها أو يتخلَّف عنها . وأوضحنا أن المُسخَّرات كان لها أنْ تختارَ من البداية ، فاختارتْ أن تُسخِّر وألاَّ تتحملَ الأمانة ، بينما أخذ الإنسان المهمةَ ، واعتمد على عقله وفِكْره ، وقَبِل أن يُرتِّب أمور حياته على ضوء ذلك .