تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3323

مساهمون:

ص٣٣٢٣
في منتهى السمو الخلقي . ولو لم تقل إنك رسول من اللّه لكانوا قد رفعوك إلى أعلى المنازل . ولكنك ببلاغك عن اللّه زلزلت سلطتهم الزمنية . ولقد حاولوا أن يثنوك عن الرسالة ، فعرضوا عليك الملك ، وعرضوا عليك الثراء ، ولو كنت تقصد شيئا من ذلك لحققوا لك ما تريد . ولكنك تختار البلاغ الأمين عن اللّه . لقد عرضوا عليك الملك طواعية . وعرضوا عليك الثروة . وزينوا لك أمر السيادة فيهم شريطة أن تتخلى عن الرسالة . لكنك تختار السبيل الواضح الذي لا لبس فيه على الرغم مما فيه من متاعب ، تختار السبيل الذي يكلفك أمنك وأمن من يتبعك . إنك تتبع ما أنزل إليك من ربك . ومن بعد ذلك جاءوا ليحاصروك في الشّعب ليمارسوا معك الحصار الاقتصادي بتجويعك وتجويع من معك ، ومع هذا كله ما تنازلت عن البلاغ . وكان يجب أن يفطنوا إلى أنك لا تطلب لنفسك شيئا ، لا المال ولا الجاه بل أنت رسول من اللّه لا تأكل من صدقة أحد ، لا أنت ولا أهلك . وكان يجب أن يتساءلوا : لماذا تدخل بنفسك إلى هذه الحرب الضارية ؛ فلا أنت طالب جاه ولا أنت طالب مال ، ولا أنت طالب لمتعة من تلك المتع . وكان يجب أن يأخذوا العبرة ، فهم يعرضون عليه كل هذه الأشياء ، وهو يرفضها ؛ لأنه خاتم الأنبياء ؛ لذلك يتمثل فيه خير كل من سبقه من الأنبياء . يتمثل فيه على سبيل المثال ما قاله سليمان لوفد بلقيس ملكة سبأ :
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
( من الآية 36 سورة النمل ) إذن كان يجب على الناس أن يفطنوا إلى أن النبوة حينما تأتى إنما تأتى لتلفت الناس إلى السماء وإلى منهجها ولتنتظم حركة حياتها في الكون ، وأن المنتفع أولا وأخيرا بالمنهج هم أنفسهم ؛ لأنهم هم الذين يشقون بمخالفتهم منهج اللّه . وليجرد كل إنسان نفسه من كل شئ ولينظر إلى المنهج ولسوف يجد أنه في صالحه . فها هو ذا سليمان الذي دانت له الدنيا وأعطى ملكا لم يعطه اللّه لأحد من