تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3320

مساهمون:

ص٣٣٢٠
إن الذي يحكم الحق هو واقعة ؛ لأن المتكلم به يستقرىء واقعا . لكن الكاذب لا يستقرىء واقعا فلا يعلم ماذا كذب في المرة الأولى . ونذكر الكاذب الذي جلس يقول : مرة كنا سائرين وخرجنا من القرية ذاهبين إلى المدينة لنأتي بحاجات عيد الفطر . وكانت الدنيا قمرا كالظهر وقوله : « قمرا كالظهر » هي التي تكشف كذبه ، فكيف يكون في ليلة العيد قمر ، وأول ليلة في عيد الفطر هي أول ليلة في شوّال ، وليس فيها أي قمر ، الهلال يكاد يكون مخفيا . إذن فالذي يستوحى واقعا لا يتغير كلامه لأنه حق . والذي يستوحى غير الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط . لذلك لا يقولن إنسان غير الحق لأن قوله سيتضارب . وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في منهج السماء الذي يتبعونه . وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم وزر إضلال الناس ؛ لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي شئ من المخالفة . ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السّلام :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
( من الآية 5 سورة الممتحنة ) لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء ؟ ؛ لأنه إن قال شيئا ثم عمل بما يناقضه فقد يتصور من يراه أنه - والعياذ باللّه - كذاب .
« قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ »
ويا ليتهم ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم . لذلك قال سبحانه :
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
( من الآية 109 سورة البقرة ) وسبحانه يوضح لهم : لا تفعلوا ذلك حتى لا تضلوا ؛ لأن وزرك أن تعمل ، وهناك وزر آخر هو أن تضلّل غيرك . ولذلك يقول الحق :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
( من الآية 25 سورة النحل )