ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة * يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وحينما تظهر المشاركة لصاحب الشكوى فأنت تريحه ، وتهديه إلى الاطمئنان .
وينصح الشاعر صاحب الشكوى أن يضعها عند ذي المروءة ؛ لأن ذا المروءة إنما يعطيك أذنه ومشاعره وهو جدير أن تستأمنه على السرّ ، وكأن الأسرار في خزانة لن يعرف أحد ما بداخلها ، وبمثل هذا الاعتراف يريح الإنسان نفسه ، ويصرف انفعاله إلى شئ آخر . وعندما تكرر النفس البشرية فعل السوء ، ولا تجد من ينبهها أو ينهاها ، فالسوء يعم وينتشر ، هنا تتدخل السماء بإرسال رسول .
ويوضح الحق أن السبب في إرسال رسول لهؤلاء الناس أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، والتناهي عن المنكر إنما يكون بالتواصى بالحق والتواصى بالصبر ، ولا يظنن المؤمن أنه بمنجاة عن خاطر السوء في نفسه لأن كلا منا بشر . وعرضة للأغيار ، ومن لطف اللّه لحظة أن يهب خاطر السوء على مؤمن أن يجد أخا خاليا من خواطر السوء فيواصيه بالحق ويواصيه بالصبر ؛ لأن الفرد إن جاءه سعار الشهوة في اللحظة التي يجئ فيه السعار نفسه عند صديق له فقد يتفقان على المنكر ، أما إن جاء سعار الشهوة لإنسان وكان صديقه مؤمنا خاليا من خواطر السوء ، فهو ينهاه ويوصيه بالحق والصبر . وهكذا . يتبادل المؤمنون التناهي بالتواصى ؛ فمرة يكون الإنسان ناهيا ، ومرة أخرى يكون الإنسان منهيا .
وكذلك أعطى اللّه هذه المسألة كلمة التواصى :
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 )
( سورة العصر )
ولم يخصص الحق قوما ليكونوا الناهين ، وقوما آخرين ليكونوا المنهيين ، لا ، بل كل واحد منا عرضة أن يكون ناهيا إن اتجهت خواطر صاحبه إلى الحرام ، وعرضة أيضا لأن يكون منهيا إن كانت نفسه تتجه إلى الحرام ، وبذلك نتبادل النهى