تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3322

مساهمون:

ص٣٣٢٢
الحق سبحانه وتعالى يعطى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة تصبره على ما يلاقيه من خصومه من أهل الكتاب ، وكأنه يقول له : إن هذا الأمر ليس بدعا وليس عجيبا ؛ لأن تاريخ أهل الكتاب الطويل يؤيد هذا ، فها هو ذا موقفهم من نبي اللّه داود ، وكذلك موقفهم من عيسى ابن مريم عليه السّلام . وهذا يجعل لك أسوة بهؤلاء الرسل الذين نالهم من أذى هؤلاء . فالمسألة ليست خاصة بك وحدك ، وإنما هي طبيعة فيهم ، ويبسط سبحانه في التسرية عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يجعل موقفه موقف الصلابة الإيمانية التي لا تخاف ولا تهتز ، فينسب هذه الأشياء لنفسه فيقول :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
( 33 ) ( سورة الأنعام ) فمرة قالوا عن الرسول : إنه مجنون ، ومرة أخرى قالوا : « ساحر » وثالثة قالوا : « كذاب » . وهم يعرفون كذبهم ، فهم على الرغم من اتهامهم للرسول بالكذب والجنون والسحر إلا أنهم لا يأمنون أحدا على مصالحهم إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو الأمين دائما . وكان لهم أن يتعجبوا من موقفهم هذا ، ومن صدهم عن دين اللّه بالكفر ، وعلى الرغم من ذلك فعندما يكون هناك شئ ثمين ونفيس فلا يؤمن عليه إلا محمد بن عبد اللّه . ما هذا الأمر العجيب إذن ! ! لقد عرفوا صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحقيقة رسالته - ما في ذلك ريب - ولكن لأن لهم أهواء أصرّوا على الضلال تمسكا بالسلطة الزمنية . هم يعرفون أن محمدا هو الأمين . ولذلك نرى سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدع عليّا - كرم اللّه وجهه - ويتركه في مكة ليؤدى الأمانات التي كانت عنده لهؤلاء جميعا . إذن
( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ) .
أي أنك يا رسول اللّه عندهم الصادق . أنت عندهم يا رسول اللّه الأمين . أنت عندهم يا رسول اللّه