تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3319

مساهمون:

ص٣٣١٩
الحياة . إذن فالكلمة تقال من اللّه فتأتي الروح لتدخل في المادة :
( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) .
« وروح منه » مثلها مثلما قال في آدم :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( 29 ) ( سورة الحجر ) إذن فآدم كلمة ، وآدم روح منه ، وكذلك المسيح ، فلا شبهة هنا ولا شبهة هناك . ويطلب الحق من المنسوبين إلى السماء :
( انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ ) .
فإذا كنتم منسوبين إلى السماء فلا تذبذبوا أفكار الناس بمثل هذه المسائل ، وكان يجب أن تقفوا بعيسى عندما أراد اللّه له من تكريم ؛ لأن التكريم هو أن يكون أسوة حسنة ، فلو كان من جنس آخر غير البشر لامتنعت الأسوة فيه ؛ لأن الأسوة إنما تكون من جنس من يتبعها ، فلو رآه الناس خاشعا متعبدا لما استطاعوا أن يفعلوا مثله لو كان من مادة أخرى غير مادة البشر . وقلت مرة : لو أن إنسانا رأى أسدا يفترس في الغابة ويصول ويجول على الحيوانات ، أيفكر واحد من الرائين أن يجعل نفسه أسدا ؟ . لا . لكن لو رأى فارسا مثله شجاعا في حرب يصول ويجول في الأعداء فهو يقلده ويحاول أن يكون مثله . إذن فالأسوة لا تكون إلا مع وحدة الجنس ، فلو أنه لم يكن من جنس البشر لما صلح أن يكون رسولا .
« قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ »
لقد جاء الحق هنا بالحديث شاملا لكل أهل الكتاب ؛ لأن كلا منهما جاء بطرفى الأمور . . فاليهود اتهموا سيدتنا البتول المصطفاة مريم بما ليس فيها ، وأولئك جاءوا بالمغالاة في الجهة الأخرى ؛ لذلك يأمرهما الحق بعدم المغالاة ؛ لأن الحق لا يتعاند ؛ فهو شئ ثابت لا يتغير أبدا ولا يتعارض . والإنسان إن رأى حدثا من الأحداث بعينيه ثم طلب منه أن يحكيه فهو يحكيه الآن ويحكيه غدا ويحكيه بعد عام وتظل روايته واقعا لأنه شهده وهذا هو الواقع المشهود يفرض نفسه عليه ، لكن الكاذب لا يذكر ذلك ، وقد يقول قضية ويكون فيها كاذبا فلا بد أن يغير من الحقيقة عندما يحكيها لمرة ثانية . ولذلك يقال « إن كنت كذوبا فكن ذكورا » .