أما آية سورة الحج فهي التي يأتي فيها الحكم :
« إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
كأنهم لن يؤمنوا ولن يعملوا الصالح ، فتكون هذه هي التصفية العقدية في الكون .
وقد جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصفى المسألة الإيمانية في الأرض ويقول عن المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا »
وهو ابتداء الخبر ، وتكون فيه
« الَّذِينَ آمَنُوا »
في محل نصب لأنه اسم « إن » كما يقول النحاة ، وهو سبحانه قال هنا : و « الصابئون » وهي معطوفة على منصوب . وهذا كسر للإعراب . إنّ الإعراب يقتضى أن تكون الكلمة منصوبة فتكون « الصابئين » لماذا إذن عدل الحق عن إنزال الكلمة حسب سياقها من الإعراب وأنزلها بكسر الإعراب مع أنه في آية أخرى قال :
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ) .
لقد جاءت هنا في مكانها ودون كسر للإعراب ، وهي قد جاءت مرة قبل كلمة « النصارى » وجاءت مرة أخرى بعد كلمة « النصارى » . وهنا لا بد أن نتعرف على زمنية الصابئين ، فقد كانوا قوما متقدمين قبل مجىء النصرانية ، فإن أردنا أن نعرف زمانهم نجد القول الحق يقدمهم على النصارى ، وإن أردنا أن نعرف منزلتهم فإننا نقرؤها في موضع آخر في القرآن ونجدهم يأتون بعد « النصارى » . إذن فعند ما أرّخ الحق لزمانهم جاء بهم متقدمين ، وعندما أرّخ لكمّهم وعددهم ومقدارهم يؤخرهم عن النصارى ؛ لأنهم أقل عددا فهم لا يمثلون جمهرة كثيرة كالنصارى .
وجاء بها الحق مرة منصوبة ومرة مرفوعة ، لنعرف ونلتفت إليهم . وكسر الإعراب كان لمقتضى لفت الانتباه . وكان الصابئة قوما يعبدون الكواكب والملائكة ، وهذا لون من الضلال .
إذن فهناك اليهود الذي عرفوا أن هناك إلها ، وجاء موسى عليه السّلام مبلغا عنه ، وهناك النصارى الذين عرفوا أن هناك إلها ، وجاء عيسى ابن مريم - عليه السّلام - مبلغا عنه ، وهناك المنافقون الذي أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولكن لم يلمس الإيمان قلوبهم .