وأراد الحق أن يلفتنا إلى أن الصابئين هم قوم خرجوا عن دائرة التسليم بوجود إله خالق غيب ، ويحدثنا الحق أنه يغفر لهم إن آمنوا وعملوا صالحا . فالإيمان باللّه شرط أساسي لقبول العمل الصالح والإثابة عليه . وجاء بهم متقدمين على النصارى احتراسا وتوقيا من مظنة أنه لا يعفو عنهم إن آمنوا وعملوا العمل الصالح .
ونلحظ أنها جاءت أيضا في معرض جمع اللّه فيه بينهم وبين من يعبدون أغيارا من دون اللّه ؛ لأن من يلصق ألوهية بغير اللّه يكون كمن عبد الكواكب وخرج عن التوحيد .
إنه سبحانه وتعالى يتيح لكل إنسان أن يدخل حظيرة الإيمان ويقيم تصفية عقدية يدخل فيها الكل إلى رحاب الإيمان ويقطعون صلة لهم بالشرك . فلو آمن المنافقون واليهود والنصارى والصابئون وعملوا الصالحات فلهم الأجر والمثوبة من اللّه ولا خوف عليهم من عذاب الآخرة ولا يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ، وجاء العمل الصالح بعد الإيمان ؛ لأن الإيمان إذا لم يقترن بعمل صالح يكون عرضة للسلب والعياذ باللّه ولا فائدة فيه ، وسبحانه يريد أن يسيطر الإيمان على حركة الحياة بالعمل الصالح فيأمر كل مؤمن بصالح العمل حتى يكون لهم الأجر عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
أما الذين يصرّون على موقفهم الكفرى ، فإن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة لأنه على كل شئ شهيد . وكلمة « يفصل » تدلنا على أنه سبحانه وتعالى سيصدر الحكم الذي يبين صاحب الحق من غيره . ونعرف أن الذي يحكم إنما يحكم ببينة . والبينة هي الإقرار ، والإقرار - بلغة القانون - سيد الأدلة . أو الحكم بشهود ، أو الحكم باليمين ، وهو سبحانه يفصل بين المواقف المختلفة . والفصل هو القضاء بحكم .
وعندما يكون الذي يحكم هو الذي شهد ، فهو العادل . لذلك قال الحق :
« إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » .