يعتبرون عرب الأوس والخزرج مجرد همج وخدم يعملون لهم ، وارتأوا السيادة لأنفسهم . وكلما اختلفوا معهم هددوهم بمجىء رسول قادم سيؤمنون به وسيقتلونهم تقتيلا .
وكان كل من الأوس والخزرج يحاول أن يستميل اليهود إليه ؛ فالأوس حالفت بني قريظة . وحالف الخزرج بنى قينقاع وبنى النضير . وتلقى الاثنان الوعيد من اليهود بعد ظهور النبي القادم ، وذلك ما جعل كلا من الأوس والخزرج يسرع إلى التعرف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء في موسم الحج نفر من ستة رجال ودعاهم صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإسلام فآمنوا به صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم اللّه بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك .
وجاءوا في العام الذي يلي ذلك إلى موسم الحج وزادوا حتى صاروا اثنى عشر رجلا . وكانت المعاهدة ألا يشرك منهم أحد باللّه وألا يسرق وألا يزنى وألا يقتل أولاده وألا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ورجليه ، ولا يعصى رسول اللّه في معروف .
وعادوا إلى المدينة ومعهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن . وفي العام الثالث جاء ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان هما نسيبة بنت كعب أم عمارة ، وأسماء بنت عمرو بن عدىّ ، وكانت مبايعتهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزاد من ذلك إرباك قريش ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم :
( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن واللّه أبناء الحرب وأهل الحلقة ( السلاح ) وتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعنى اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « بل الدم الدم والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم منى أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم » . وبسط يده صلّى اللّه عليه وسلّم فبايعوه .
وكانت بيعة العقبة ميثاقا يضمن لأهل البيعة الجنة إن أوفوا به . وقد أوفوا . وهذا
تفسير الشعراوي — صفحة 3300
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٣٠٠