تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3294

مساهمون:

ص٣٢٩٤
ونلحظ أن الحق قد وضع صيانة لاحتمال أن تفكر قلة منهم في الإيمان ، لذلك لم يشملهم كلهم بالحكم ، ولكن الحكم شمل الكثرة من هؤلاء الكافرين . ولذلك يقول الحق لرسوله :
« فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
أي لا تحزن عليهم يا رسول اللّه . فعلى الرغم من عداوة وشراسة من صادموا دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم ومحاولتهم كل تلك المحاولات ، كان لا يكف عن الدعاء لهم : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » « 1 » . وكان لا يكف عن القول : « لعل اللّه يخرج من أصلابهم من يعبد اللّه » « 2 » وقد تم ذلك بالفعل . وكان الصحابة بعد الغزوات الأولى يقول كل منهم للآخر : أنا حزين لأن عمرا أفلت منى ولم أقتله . فيقول الآخر : وأنا حزين لأن عكرمة أفلت منى . ويقول الثالث : وأنا لا أدرى كيف أفلت منا خالد بن الوليد . ولم يمكن الحق الصحابة الأوائل من هؤلاء المقاتلين الأشاوس لأنه يدخرهم للإسلام ، فكان عدم تمكين المسلمين من هؤلاء تمكينا للإسلام ليحملوا السيف للإسلام مدافعين وناشرين لدعوته . وها هو ذا عكرمة بن أبي جهل يتلقى الطعنة الأخيرة في حياته فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ويسأله : أهذه ميتة ترضى عنى رسول اللّه ؟ إذن فقد أراد اللّه من عدم تمكين المسلمين منهم في أوائل الغزوات أن يكونوا جندا للإسلام بقدراتهم القتالية فاستبقاهم أحياء ليخدموا الدعوة . ويقول الحق بعد ذلك :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ، والسيوطي في الدر المنثور . ( 2 ) رواه البخاري في بدء الخلق ، ومسلم في الجهاد .