منهجه حقدا ولددا وطغيانا ؛ لأن اللّه شاء ألا يهديهم . ولذلك تصير كل آية في صف الإيمان والمؤمنين مصدر إثارة وغيظ ومرارة في نفوس أهل الكفر . وهكذا يوطن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمره تجاه هؤلاء الكفار .
إنك يا رسول اللّه لا تواجه طاقة محدودة ولكنك تواجه طاقة من الشر النامي .
وكل آية إنما تهدى الذي في أعماقه بذرة من خير ، أما الذي ينتفى الخير من داخله فالمسألة تزيده شراسة في قلبه . إن الشرير يصعّد الشر ويزداد جرمه وإثمه ، أما الخير فينزل من قمّة الجرم إلى أقل درجة . ولنا المثل في قصة سيدنا يوسف عليه السّلام ، فالحق يقول على لسان إخوة يوسف :
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( من الآية 8 سورة يوسف )
ومن بعد ذلك قالوا لأبيهم :
« ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ » .
ثم أخذوا في التبييت والتدبير وقالوا :
« أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ » .
وكان أول تدبير لهم هو ما قاله الحق حكاية عنهم :
« اقْتُلُوا يُوسُفَ » .
ومعنى القتل هو إزهاق الروح ، وهذه أعلى درجات الشر ، لكنهم يتراجعون عنها ويقولون :
« أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً » .
فهم لم يرغبوا في قتله ، واكتفوا بأن يتركوه في مكان بعيد ، وتصوروا أن بعض السيارة قد يلتقطه فيبعدون يوسف عن أبيه . إذن هم بدأوا التدبير قتلا ، ثم انتهوا بالتفكير لنجاة يوسف :
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
( من الآية 9 سورة يوسف )
والمرحلة الثالثة قولهم :
« أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ »
والجب فيه مياه ، وهناك أناس كثيرون يذهبون إلى مصادر المياه . هكذا يورد الحق لنا كيفية نمو الخير من بطن الكيد .
إذن . فقوله الحق :
« وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً »
أي أن الكثير منهم سيواصل رحلة التصعيد في الشر ، فوطن نفسك يا محمد على ذلك .