وبأي شئ نادى اللّه خلقه المؤمنين هنا ؟ لقد قال :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » ،
فكيف يقول : « آمنوا » ؟ لقد ناداهم لأنهم آمنوا إيمانا استوجب خطابهم بالتكليف ، والإنسان ابن أغيار . فيوضح أن الإيمان الذي استقبلتم به التكليف من خطابي داوموا أيضا عليه ، وجاء الأمر هنا بدوامه ، أي كما آمنتم إيمانا جعلكم أهلا للتكليف في مخاطبتكم وقلت لكم يا أيها الذين آمنوا : الزموا هذا وداوموا على إيمانكم . وقوله الحق :
« اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ »
هو قول لرسول متبع ، إذن فهو يحمل الأمر بالمداومة على الاتباع ، ولا يحزنك ما يقولون يا محمد ؛ لأنك مؤيد من ربك ويتولى الدفاع عنك ويلقنك الحجة .
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
( 33 )
( سورة الفرقان )
ويقول الحق بعد ذلك موجها حديثه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ )
.
ونعلم أن الوحي هو إعلام بخفاء ، وكل وحى هو إعلام بخفاء وقد أوحى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصور شتى ، ولكن كل ما يتصل ويختص بالقرآن كان بواسطة جبريل : وقوله الحق
( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) .
أي أنه لا يوجد إله إلا هو سبحانه ، ولا يمكن أن تغير أنت المنهج النازل إليك منه ، وعليك أن تعرض عن المشركين ، فلا تجالسهم ، ولا تخالطهم ، ولا تودهم . إنه إعراض الفطنة والإرشاد والبلاغ .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 107 ]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 )