تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3850

مساهمون:

ص٣٨٥٠
فعند ما يكرر الأحداث وينزل فيها من التشريع والمواعظ فقد ترق قلوبهم للإيمان وتستوعب القلوب الهداية .
« وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ »
ما معنى :
« وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ » ؟
إننا نعلم أن السماء تتدخل حين يطم الفساد ، لكن إن وجد في الذات الإنسانية نفس لوّامة فهي مناعة للنفس ووقاية لها . فإن فعل الإنسان ذنبا تلومه نفسه فيرجع ، وإن اختفت النفس اللوّامة وصارت النفس أمّارة بالسوء ، امتنع في المجتمع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فمعنى ذلك أن الفساد قد طمّ . وهنا تتدخل السماء وتأتى ببيان جديد ومعجزة جديدة . أن الفساد لا يتأتى إلا من وجود طبقات تطحن في طبقات ، والذين يطحنون بالفساد هم من يستقبلون المنهج بشوق ، لكن الطاحن المستفيد من الفساد هو الذي يعارض المنهج . ولذلك فإن كل جماعة حاربت الرسل هم من الطاحنين للناس ، لكنّ المطحونين إنما يريدون من ينقذهم . إذن فكل صاحب دعوة سماوية جعل اللّه له عدوّا من المجرمين ؛ لأن السماء لم تتدخل إلا حين صار الإجرام لا مقاوم له . وهكذا يجعل اللّه لكل نبي ورسول عدوا من المجرمين ، وهذا العدو يفتن به الناس ، ويميل له ضعاف العقائد . والحق يصرف الآيات حالا بعد حال حتى لا يثبت مع الداعي الحق إلا المؤمنون الصادقون . ولذلك تجد أن الإسلام قد جاء وغربل الأمور ؛ فمثلا تأتى حادثة الإسراء فمن كان إيمانه مهتزا ينكر الإسراء ، وذلك من أجل أن يذهب الزّبد ويبقى من يحمل الدعوة بمنهج الحق . أما من كان إيمانه ضعيفا أو كان يعبد اللّه على حرف فالإسلام لا يرغبه .
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
( من الآية 47 سورة التوبة ) إذن فالحق سبحانه وتعالى قد صرّف الآيات لينصر المطحونين ، وحينما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك قالوا درست وادعوا أنه كان قاعدا في الجبل ، وتعلم من أعجمي . ولذلك نجد الحق يقول :