الأجرام اللامعة التي نراها في السماء لنهتدى بها في ظلمات البر والبحر ؛ ومن رحمته بنا وعلمه أن بعض خلقه ستضطرهم حركة الحياة إلى الضرب في الأرض ؛ والسير ليلا في الأرض أو البحر مثل من يحرسون ويشيعون الأمن في الدنيا ولا يمكن أن يناموا بالليل . بل لا بد أن يسهروا لحراستنا ، كل ذلك أراده اللّه بتقدير عزيز حكيم عليم ، ولذلك ترك لنا النجوم ليهتدى بها هؤلاء الذين يسهرون أو يضربون في الأرض أو يمشون في البحر بسفنهم ، وهم يحتاجون إلى ضوء قليل ليهديهم ، ولذلك كان العرب يهتدون بالنجوم ؛ يقول الواحد منهم للآخر : اجعل النجم الفلاني أمام عينيك ، وسر فوق الحي الفلاني . واجعل النجم الفلاني عن يسارك وامش تجد كذا ، أو اجعل النجم الفلاني خلفك وامش تجد كذا .
إذن لو طمّت الظلمة لمّنعت الحركة بالليل ، وهي حركة قد يضطر إليها الكائن الحي ، فجعل الحق النجوم هداية لمن تجبرهم الحياة على الحركة في الليل .
وعلى ذلك فالنجوم ليست فقط للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر ؛ لأنه لو كان القصد منها أن نهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، لكانت كلها متساوية في الأحجام ، لكنا نرى نجما كبيرا ، وآخر صغيرا ، وقد يكون النجم الصغير أكبر في الواقع من النجم الكبير لكنه يبعد عنا بمسافة أكبر ، وعلى ذلك لا تقتصر الحكمة من النجوم على الهداية بها في حركة الإنسان برا وبحرا ، فليست هذه هي كل الحكمة ، هذه هي الحكمة التي يدركها العقل الفطري أولا ؛ لذلك يأتي الحق في أمر النجوم بقول كريم آخر ليوضح لنا ألا تحصر الحكمة في الهداية بها ليلا برا وبحرا فيقول :
« وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ »
فلم يقل - سبحانه - يهتدون في ظلمات البر والبحر . إذن - النجوم - لها مهمة أخرى ، إنه جلت قدرته يقول :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
( 76 )
( سورة الواقعة )
وكل يوم يتقدم العلم يبين لنا الحق أشياء كثيرة ، فها هو ذا المذنب الذي يقولون عنه الكثير ، وها هي ذي نجوم جديدة تكتشف تأكيدا لقول الحق :