تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3811

مساهمون:

ص٣٨١١
تساعد الجرح على الالتئام ، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف الضوء البصر فورا ، ومن رحمة اللّه أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادىء قبل أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة . فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل فلقا هادئا ، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح . إذن الإصباح فالق مرة لأنه شقّ الظلمة وفلقها ، ومفلوق مرة أخرى ؛ لأن الظلمة جاءت بعده . إذن فاسم الفاعل قد أدى مهمتين . . المهمة الأولى : فالق الإصباح . أي دخل بضوء الشمس . وإن قلنا : إصباحه فالق ، أي ظلمة الليل الأولى انفلقت . إذن فالإصباح فالق مرة ، ومفلوق مرة أخرى . وسبحانه حين يقول :
« فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً »
يريد أن يعطى شقين اثنين ؛ لأنه هو في ذاته فالق الإصباح . فيأتي بالاسم ليعطى لها صفة الثبوت ، ثم جاء ب
« وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً »
صفة الحدوث بعد وجود المتعلّق . فإذا أراد الصفة اللازمة له قبل أن يوجد المتعلّق يأتي بالاسم . وإن أراد الصفة بعد أن وجد المتعلّق يأتي بالفعل . ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله الحق :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
( من الآية 18 سورة الكهف ) الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة ، وحين يريد القرآن أن يأتي بالصفة التي تتغير ، يأتي بالفعل :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
( من الآية 63 سورة الحج ) وكان القياس أن يقول : فأصبحت الأرض مخضرة ؛ لأنه قال : « أنزل » لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث
« فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » .
ويتابع الحق :
« وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً »
ونحن نعرف الشمس والقمر وجاء بعد ذلك بكلمة « حسبانا » ، على وزن فعلان ، وهذا ما
تفسير الشعراوي — صفحة 3811 | محمد متولي الشعراوي