تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3809

مساهمون:

ص٣٨٠٩
لا بد أن يوجد إصباح ويوجد الليل سكنا ؛ لأن الإصباح هو زمان وضوح الأشياء أمام رؤية العين ؛ لأننا نعلم أن الظلمة تجعل الإنسان يضطرب مع الأشياء ، فإن كنت أقوى من هذه الأشياء حطمتها ، وإن كانت أقوى منك حطمتك . إن السير في الظلمات التي لا يوجد فيها نور يهدى الإنسان إلى مرائيه قد يؤدى إلى خسارة الأشياء . إننّا في الصباح نعمل ونسعى في الأرض ، ونملأ الدنيا حركة . فإذا ما أصابنا الكد والتعب والنّصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي أن يستريح ويهدأ ويسكن لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله ؛ لأنك إن كنت ساكنا ويأتي لك ضوء فهو يؤثر في تكوينك ، ولذلك يقولون الآن : إن « الأشعة » التي يكتشفون بها أسرار ما في داخل جسد الإنسان تترك آثارا . إذن فالإشعاع الصادر من الشمس يمنعه عنك اللّه ليلا حتى يستريح الجسم من كل شئ ، من كل حركة ناشئة فيه ، ومن حركة وافدة عليه ، وهكذا تكون نعمة سكون الليل وظلمته مثل نعمة الصباح ، وكلاهما تتمم الأخرى ، ولذلك قلنا : إن الحق سبحانه وتعالى في أول السورة قدّم الظلمات على النور :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
( من الآية 1 سورة الأنعام ) لأنك أنت لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت نشيطا ومرتاحا أثناء الليل . فإن لم ترتح كنت مرهقا ولن تستطيع العمل بدقة في حركة النهار . إذن فالظلمة مقصودة في الوجود . ولذلك فالحضارة الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلا ، حتى لا يستأنف عمله في الصباح مكدودا . ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه ، ويقومون إلى العمل في الصباح وهم مكدودون مرهقون . ونقول : لنأخذ الخضارة من قمتها ، ولا نأخذ الحضارة من أسفلها ؛