تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3798

مساهمون:

ص٣٧٩٨
تقول لهم : إن كنتم متأبّين على اللّه في كثير من الأحكام لقد تأبّيتم على اللّه إيمانا ، وتأبّيتم على اللّه أحكاما ، وتأبّيتم على اللّه في تصديق الرسول ، فها هو ذا الحق قد أمرنا أن نقبض أرواحكم ، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق ؟ إن كنتم كذلك فليظهر كل منكم مهارته في التأبّى على قبض روحه ، أو أن الملائكة يبالغون في النكاية بهم كأن نقول لواحد : اخنق نفسك وأخرج روحك بيديك أو : أخرجوا أنفسكم من العذاب الذي يحيق بكم . و
« عَذابَ الْهُونِ »
هو العذاب المؤلم وفيه ذلة . وأساليب العذاب في القرآن متعددة ، فيقول مرة :
« مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ »
أو وأعد لهم
« عَذاباً مُهِيناً » *
أو ولهم
« عَذابٌ أَلِيمٌ » *
فمرة يكون العذاب مؤلما لكن لا ذلة فيه ، ومرة يكون العذاب مؤلما وفيه ذلة . وكما أن النعمة فيها تعظيم فالنقمة فيها ذلة . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى ، فاللّه سبحانه منزّه عن أي تشبيه - : قد نجد حاكما يعتقل إنسانا ويأمر بأن يجلس المعتقل في قصر فخم له حديقة ، لكن حين يأتيه الطعام ، يقول له الحارس : خذ اتسمم ، وفي ذلك إهانة كبيرة . ولماذا يذيقهم الحق العذاب المهين ؟ تأتى الإجابة من اللّه :
« بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ » .
كأن يقول واحد : أوحي إلى ولم يوح إليه شئ . وهم أيضا يستكبرون على الآيات التي يؤمن بها العقل الطبيعي ، ويقول الحق :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
( من الآية 14 سورة النمل ) ويقول الحق بعد ذلك :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 94 ]

وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 )