وهو ليس كذلك . هنا تكون الفرية على اللّه ، وإياك أن تظن أنه يكذب على الناس ، لا ، إنه يكذب على اللّه ؛ لأنه أبلغ أن اللّه قد بعثه وهو لم يبعثه .
و « الافتراء » : كذب متعمّد مقصود ، وينطبق ذلك على النبوات التي ادعيت ؛ من مثل مسيلمة الكذاب ، سجاح ، طليحة الأسدي ، الأسود العنسي ؛ كل هؤلاء ادعوا النبوة ، ومع ذلك لم يسألهم أحد عن المعجزة الدالة على نبوّتهم ؛ لأن كل واحد منهم عندما أعلن نبوته جاء بما يخفّف عن الناس أحكام الدين .
فواحد قال : أنا أخفف الصلاة ، والزكاة لا داعى لها . لذلك تبعهم كل من أراد أن يتخفف من أوامر الدين ونواهيه ، موهما نفسه بأنه متدين ، دون أن يلتزم بالتزامات التدين ، وهذا هو السبب في أن أصحاب النبوات الكاذبة ، والادعاءات الباطلة يجدون لهم أنصارا من المنافقين ؛ فالواحد من هؤلاء الأتباع قد يكون مثقفا ثم يصدق نبيا دجالا ، وتسأل التابع للدجال وتقول له : أسألت مدّعى النبوة هذا ما معجزتك ؟
- وهذا أول شرط في النبوّة - ولم نجد أحدا سأل هذا السؤال قط ، لماذا ؟
لأن التديّن فطرة في النفس ، ولكن الذي يصعّب التدين هو الالتزامات التي يفرضها التدين ، وعندما يرى التابع الضعيف النفس أن هناك من يريحه من الالتزامات الدينية ، ويفهمه أنه على دين ، ويقلل الالتزامات عليه ، لذلك يتبعه ضعاف النفوس ، وتصبح المسألة فوضى .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ
( من الآية 93 سورة الأنعام )
هناك من ادعى وقال : أنا نبي ، وقال : سأنزل مثل هذا القرآن ، فماذا قال هذا المدّعى وهو « النضر بن الحارث » يقول - في أمة أذنها أذن بلاغية ، تتأثر بموسيقى اللفظ - : « والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا » ! ! ولماذا لم يأت بالمسألة من أولها ويقول : « والزارعات زرعا والحارثات حرثا » ثم يقول من ادعى أنه أوحى إليه : « والعاجنات عجنا والخابزات خبزا » ، وكان عليه أن يتبعها أيضا :