تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3792

مساهمون:

ص٣٧٩٢
وحين نرى من يمسح الحذاء ، ونجد صاحب الحذاء وهو يمد رجله والآخر يمسح الحذاء تقول لنفسك : لماذا كل هذا الزهو لصاحب الحذاء ، ولماذا هذا الانكسار لماسح الأحذية ؟ . وأقول : أنت رأيت صاحب الحذاء وقت راحته ، ورأيت ماسح الأحذية وهو في وقت عمله . ولو عرفت كيف جاء صاحب الحذاء بالنقود التي سيدفعها لماسح الأحذية لعلمت أنه كان مسخرا له ساعة كان يعمل ليحصل على النقود ليعطى منها ماسح الأحذية ، ولذلك قال الحق :
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
( من الآية 32 سورة الزخرف ) والناس لا تنظر في التسخير إلا للغنى والفقير ، ونقول : خذوا التسخير على أن كل واحد في الكون مسخّر في الموهبة التي عنده ، ومسخّر له في المواهب التي ليست عنده . وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يربط الناس بهذا ربطا قسريا وليس تفضّليا ؛ لأن من عنده أولاد يريدون أن يأكلوا وامرأة تحتاج إلى أن تطعم ولا يملك نقودا ، وليس أمامه من عمل سوى نزح المجارى ، فيأتي بأدوات نزح المجارى ، ويؤدى العمل ليعول من يعولهم ، ولولا ارتباطه بضرورة الحياة له ولمن يعول لما عمل في مثل هذا العمل ، إذن فهو مربوط ربطا ضروريا ليؤدى خدمة في الكون . ولو كان كل البشر يعيشون في رغد العيش أكان هناك من يتطوع لينزح المجارى ؟ لا يحدث ذلك أبدا ، لأنه عمل لا يأتي بالتفضل بل بالاحتياج . وهكذا نرى أن الخلافة في الأرض تقتضى استطراقا ، وهذا الاستطراق لا يدوم كثيرا ؛ فمرة تكون القوة لإنسان ثم تذهب منه ، ومرة يكون الثراء لإنسان ثم ينحسر عنه هذا الغنى ، ولذلك أخبرنا الحق أنه جعل الأيام دولا بين الناس ليستقيم العالم بارتباط الضرورة في بعض الأعمال ، وإن بدا لنا أن هناك مواهب تميز بين الناس في شكلهم ، وفي هندامهم ، وفي مطيتهم ، تجد الطبيب يعمل في أكثر من مكان ، وإن سار على رجليه لتعب ، لذلك يشترى سيارة ، ويظن من يراها أن السيارة امتياز لا مثيل له ، متناسيا أن هذه السيارة تقضى مصالح الرجل ليخدم الآخرين . مثال آخر : أنت إن نظرت إلى كوب الشاى الذي تشربه بمزاج وليس لضرورة