فقط بل هي إمساك عن كل حركة ، وفي الصلاة زكاة ؛ لأن الزكاة تعنى أن تخرج بعضا من مالك ، والمال فرع العمل ، والعمل فرع الوقت . وأنت حين تصلى إنما تزكى بالأصل وهو وقت العمل ، وأنت في الصلاة تتوجه إلى الكعبة كما يتجه الحاج والمعتمر ، إذن ففي الصلاة كل أركان الإسلام مجتمعة .
إذن فأهمية الصلاة أنها قد اندمج فيها كل أركان الإسلام ، وبها يتحقق الاستطراق الاجتماعي للخلافة في الأرض ؛ لأن الخلافة في الأرض تقتضى مواهب متعددة ، وطاقات متعددة ، ولا يمكن لخليفة واحد في الأرض أن يكون مجمع هذه المواهب بل لا بد أن تتفرق المواهب في المتفرق والشتيت من الناس ، فلا يمكن أن يكون الإنسان الواحد مهندسا وطبيبا ومحاميا وصانعا وحارثا وزارعا وتاجرا . ولذلك وزع اللّه سبحانه وتعالى مقتضيات الخلافة في الأرض على الخلفاء في الأرض توزيعا يجعل الالتقاء ضروريا وليس تفضّليا ، بحيث تكون أنت في حاجة إلى مواهب ليست عندك فتذهب لصاحبها . وصاحبها أيضا يحتاج إلى مواهب عندك ليست عنده فيأتي إليك .
وانظروا إذا شاء واحد أن يستغنى في بعض الأشياء التي يقوم بها الغير كم يتعب ؟ ، فإذا ما أتعبه السباكون وآلموه في الأجور . وحاول تعلم السباكة ، ولا بد له أن يتعلمها من سباك . وكذلك حياكة الملابس . ومعنى ذلك أن اللّه أبقى المواهب متفرقة مشتتة في الخلق ليحتاج كل خلق إلى كل الخلق . والناس لا تنظر إلى جهة التميّز إلا إلى شئ واحد هو : الغنى .
ونقول الغنى المالى أو العقارى هو نوع فقط من المواهب ؛ لأنك مثلا إذا نظرت إلى العالم الذي يظل عشرين عاما يستوعب العلم ، ثم يقابله من يستفتيه في فتوى فيقولها له مجانا ، لو علم هذا السائل ماذا تكلف الأستاذ الذي أفتاه طوال عشرين سنة بحثا في الكتب وسماعا من الأساتذة واستنباطا من الأحكام لدفع مكافأة لهذه الفتوى ؛ لأن العالم كان مسخرا لمدة عشرين عاما لتأخذ أنت الفتوى في نضجها النهائي في يسر وسهولة وتنتفع بها .
تفسير الشعراوي — صفحة 3791
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٧٩١