عملك وصل . قد يرد : لا ؛ لأنى حين أترك عملي يضيع علىّ كذا . ولو كان طبيبا لذكر عددا من مرضى سيكشف عليهم ، ولو كان عاملا لقال : إن توقف الآلة في أثناء الصلاة يجعلني أخسر كثيرا .
وهنا نقول : يا أخي تعال إلى الطاعة ، والبركة تعوض لك ما تظن أنك تخسره ، وإذا نظرت إلى أركان الإسلام تجدها بالنسبة لانشغال الزمن بها لا تأخذ الكثير من الوقت ؛ فشهادة أن لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه لا تحتاج منك إلا إلى أن تقولها مرة واحدة ، وهذا ركن لم يستغرق زمنا طويلا بالنسبة لأدائه ، والزكاة لا تأخذ منك إلا ما تعطيه يوم الحصاد ، وهذا يستغرق وقتا قليلا ، وكذلك زكاة المال آخر العام ، والصوم شهر في السنة ، وإذا كان زمن الصوم أوسع قليلا إلا أنه وقت لا يمر إلا كل عام . والحج مرة في العمر إن كنت مستطيعا .
إذن أنت تجد التكاليف الركنية في الإسلام بالنسبة للأزمان وقتها يسير وقليل لمن يحرص عليها ، لكن الصلاة تؤدى في كل يوم خمس مرات ، ورفعتها بالنسبة للزمن أوسع . وأداؤها يحتاج إلى طهارة من حدث أو جنابة وكذلك طهارة المكان ؛ لذلك جاءت الصلاة ركنا أصيلا في الإسلام . وأنت لا تعرف الإنسان إن كان مسلما إلا إذا سمع الأذان وقام يصلى . لذلك هي الفارقة بين المسلم وغير المسلم ؛ لأن الأركان الأخرى أزمانها محصورة ، ومع أنها كذلك إلا أنها أخذت من التشريع حظها من الركنية الأصيلة .
إنّ كل تشريعات الإسلام أركانا وفروعا جاءت بالوحي إلا الصلاة ؛ فقد جاءت بالمباشرة ؛ لأن الصلاة دعاء الخالق خلقه لحضرته ؛ لذلك كان لا بد أن يكون تشريعها بهذه الصورة الفريدة ، تشريعا جاء بالحضرة الإلهية .
وشئ آخر ، ما دامت الصلاة هي العمدة في الدين فكأن الصلاة تقول للأركان الأخرى : أنا أجمعكم وأضمكم وأشملكم جميعا ؛ فالمسلم في أثناء الصلاة يقول :
أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . والمسلم يصوم في أثناء الصلاة عن شهوتي البطن والفرج بل وتكون الصلاة صوما لا عن الأكل والشرب ، وشهوة الفرج
تفسير الشعراوي — صفحة 3790
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٧٩٠