تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3788

مساهمون:

ص٣٧٨٨
بالقيم الروحية والمادية لتحرس كل منهما الأخرى ؛ لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارت حضارتهم شرسة ، ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم ، والحق يريد حضارة تجمع بين الاثنين ؛ الروح والمادة ، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين ؛ الروح والمادة ؛ لأن اليهود في فهمهم لها افتقدت الروح ، والنصرانية في فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة ، وجاء القرآن مصدقا لما بين يديه ، وهكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب . ويتابع البلاغ لأهل قريش قاطنى مكة فيقول :
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ،
ونعرف أن أم القرى تعنى مكة ، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حجّة ليقول : إن القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط ، ولهؤلاء نقول : أنتم لم تحسنوا الفهم لمعطيات اللفظ ، ولنسأل : ما الحول أولا ؟ . الحول هو المحيط الذي حول النقطة ، أىّ نقطة وكل نقطة ، وحول كل نقطة قطر وقد يكون القطر 20 كيلومترا ، وقد يكون مائة كيلومتر ، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة ، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله ، وحول كل مكان يشمل كل مكان . ولماذا سميت أم القرى ؟ ؛ إما لأن « هاجر » لما نزلت بابنها الرضيع بواد غير ذي زرع ، وبعد ذلك تكاثر الناس فصارت هي أم القرى ، أو لأن فيها الكعبة ، وكل الناس يؤمّونها ، أو لأن الحاجّ يأتيها من كل صوب كما يهب ويسرع الأبناء ويلوذون بأمهم .
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ
« من الآية 92 سورة الأنعام » من - إذن - الذي يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزل مصدقا لما بين يديه لينذر به أم القرى ومن حولها ، ومن هم الذين يؤمنون بالآخرة ؟ ولماذا جاء الربط بين أم القرى وما حولها وبين الذين يؤمنون بالآخرة ؟ . لأن أحدا لن يذهب لتعاليم القرآن ليأخذها وينفذها إلا من يؤمن بأن هناك يوما نذهب فيه جميعا إلى الآخرة . ( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور / أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )