على هذه الدلالة احتراما لإيمانه يعينه اللّه ، ويزيده هدى ، وسبحانه يريد أن يثبت للإنسان أنه جعله مختارا ، فإن اخترت أي شئ فأنت لم تختره غصبا عن ربنا ، إنما اخترته بمن خلقك مختارا . ولا يوجد فعل في الكون يحدث على غير مراد اللّه ، ولو أراد اللّه الناس جميعا مهديين لما استطاع واحد أن يعصى ، إنما أرادهم مختارين ، وكل فعل يفعله أي واحد منهم ، فهو مراد من اللّه لكنّه قد يكون مرادا غير محبوب ، ولذلك قال العلماء : إن هناك مرادا كونا ، ومرادا شرعا . وما دام الشئ في ملك اللّه فهو مراد للّه ، والمراد الشرعي هو المأمور به ، وما يختلف عن ذلك فهو مراد كونى ، جاء من باب أنه خلقك مختارا .
ومثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - أنت تعطى ابنك جنيها ، والجنية قوة شرائية .
فأخذ الجنيه ونزل السوق وهو حر ليتصرف فيه ، وتقول له : اسمع . إن اشتريت به مصحفا أو كتابا جميلا أو بعضا من الحلوى وأكلتها أنت وإخوتك فسأكون مسرورا منك وسأكافئك مكافأة طيبة ، وإن اشتريت « كوتشينة » ، أو صرفت الجنيه فيما لا أرضى عنه فسوف أغضب منك ولن أعطيك نقودا .
أنت بهذا القول أعطيت ابنك الحرية . وساعة ينزل السوق ويشترى « كوتشينة » فهو لم يفعل ذلك قهرا عنك لأنك أنت الذي أعطيته الاختيار ، لكنك قلت له : إنك تطلب منه أن يحسن الاختيار ، وسبحانه وتعالى قد جعل الإنسان مختارا ، فإن اختار الهداية أجزل له العطاء ، وإن اختار الضلال عاقبه عليه .
وبالنسبة للأنبياء جاءت لهم الهداية من اللّه دلالة لهم وأقبلوا على مرادات الحق فأعطاهم هداية أخرى ؛ وذلك بأن يعشّقهم في العمل ويحبب إليهم فعل الخير ، وبعد ذلك يوضح سبحانه : إياكم أن تظنوا أن هناك من يفلت منى ؛ لأنهم لو أشركوا لأحبطت أعمالهم .
إذن فالحق لم يخلق الخلق مرغمين على عمل الطاعة بل خلقهم مختارين في التكاليف ، حتى ينالوا لذة اختيار منهج اللّه ولو أشركوا لحبط عملهم ولو : حرف امتناع لامتناع ، وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم ، و « الحبط » هو الإبطال للعمل .
تفسير الشعراوي — صفحة 3773
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٧٧٣