الحجاج إن تعدت موضوع الحجاج نفيا أو إثباتا فهي تهريج ، وينحصر الأمر في أنك تريد الانتصار على خصمك وأن يحاول خصمك الانتصار عليك ، لكن عليك إذا ما دخلت الحجاج أن تجعل الغاية الأصيلة هي الأساس ، وكما يقولون تحديد وبيان محل النزاع ؛ لأن الحق لا بد أن يكون أعزّ منك ومن خصمك عندك ، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى يوضح : إياكم أن تتناظروا في قضية تناظرا جماهيريا ، لماذا ؟
لأن الصوت الجماهيرى يلتبس فيه الحق مع الباطل ، واللّه سبحانه وتعالى يريد من كل صوت أن يكون محسوبا على صاحبه ، ومثال ذلك عندما يقوم تظاهر كبير ويهتف فيه بسقوط أحد لا يتعرف أحد على من بدأ الهتاف .
والذي جعل العرب يخسرون أنهم حين استقبلوا الدعوة كانوا يعقدون اجتماعات جماهيرية ، ينقدون فيها أقوال رسول اللّه فتاهت منهم القدرة على الحكم الموضوعي .
ولذلك يقول ربنا :
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
« من الآية 46 سورة سبأ »
أي أن تجتمعوا وفي وجهتكم اللّه ، ومن عنده قوة فليناقش بالحجة أقوال رسول اللّه موضوعا ، وتاريخا ، ومنطقا . ولا يمكن أن يجتمع اثنان ليبحثا مسألة وفي بالهما اللّه فقط - إلا وينتهيان فيها إلى رأى موحد . ولذلك جاء التفاوض السرى في العصر الحديث مستمدا من تلك القاعدة الإيمانية .
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
( 83 )
« سورة الأنعام »
وأول قوم إبراهيم أبوه آزر ، إنه حاجّهم في الكواكب والقمر والشمس والتماثيل ،