تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3763

مساهمون:

ص٣٧٦٣
إذن الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل بمنهجه اتصالا وثيقا ؛ ليعطينا ، لا ليأخذ منا ؛ لأن الفرق بين عبودية البشر للبشر والعبودية الخالصة للّه أن البشر يأخذ خير عبده ، ولكن عبوديتنا للّه تعطينا خيره من خزائن لا تنفد ، نأخذ منه كلما ازددنا له عبودية ، إذن الحق دائما يريد أن يصلنا به .
أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
الأمن في الدنيا ، والأمن بمجموع ما كان في الدنيا مع الأمن في الآخرة . ولقائل أن يقول : هناك أناس لا يسمون باسم اللّه ، ولا يخطر اللّه على بالهم ، ويتحركون في طاقات الأرض ومادتها ، وينعمون بها ويسعدون ، وقد يسعدون بابتكارات سواهم . ونقول : نعم هذا صحيح ؛ لأن فيه فرقا بين عطاء الفعل ، والبركة في عطاء الفعل . إذا زرع الكافر فالأرض تعطى له ، وإذا قام بأي عمل يأخذ نتيجته ، لكنه لا يأخذ البركة في العطاء . وما هي البركة في العطاء ؟ البركة في العطاء أن يكون ما أخذته من هذا العطاء لا يعينك على معصية ، بل دائما يعينك على طاعة . ونحن نرى كثيرا من الناس يصدق عليهم قوله سبحانه :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
فإياك أن تغالط وتقول : إنهم لا يقولون :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
ومع ذلك فهم قد أخذوا طيبات الحياة الدنيا ، إنك حين تنظر إليهم تجد كل مرتقيات حضارتهم ، وطموحات بحوثهم واكتشافاتهم تتجه دائما إلى الشر ، لم يأت لهم ابتكار إلا استعملوه في الشر إلى أن يأذن اللّه فيشغلهم عن أشيائهم بما يصب عليهم من العذاب والنكبات ولهم في الآخرة العقاب على شركهم وكفرهم . إذن
أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
أي إنّ هؤلاء الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك لهم الأمن في جزئيات أعمالهم والأمن المتجمع من جزئيات أعمالهم يعطى لهم الأمن في الجنة .
وَهُمْ مُهْتَدُونَ
والهداية هي الطريق الذي يوصل إلى الغاية . ولا يقال لك إنك موفق في الحركة إلا إذا أدت بك هذه الحركة إلى غاية مرسومة في ذهنك من نجاح بعد المذاكرة والاجتهاد . ولا مخلوق ولا مصنوع يحدد غايته ، فاترك للّه تحديد
تفسير الشعراوي — صفحة 3763 | محمد متولي الشعراوي