تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3715

مساهمون:

ص٣٧١٥
المنحرفين . ومثال ذلك الإنسان الذي يخوض في أعراض الناس ويظلمهم لا يتصور أبدا أن يلقى من الحق - سبحانه - المعاملة التي يعامل بها الإنسان الملتزم بمنهج الإيمان ؛ فالفطرة تقول لنا : إن الحق يجازى كل إنسان بعمله ، سواء أكان الجزاء في الدنيا أم في الآخرة . ومن المأثور عن بعض العرب أنه قال : لن يموت ظلوم حتى ينتقم منه اللّه . ومن بعد ذلك مات رجل ظلوم ولم ير فيه الناس انتقام السماء ، فقال الرجل العربي : واللّه إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته .
« وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ »
والبسل معناه : المنع ، والمنع له صورتان : الأولى منع حركة حياة حي . . أي أن تحبسه في مكان محدد يتحرك فيه ، والثانية : منع من أصل الحياة . . أي أن تهلكه وتزهق روحه ،
« تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ »
أي تمنع نفس بما كسبت ، والمنع إما بالهلاك أو بالحبس حبسا يديم عليها العذاب . والحبس - في أعراف البشر - هو وضع إنسان في مكان لكفه عن ظلم غيره ، أي أننا نمنع شرور إنسان عن المجتمع بوضعه في الحبس . وعندما جاء الإسلام لم يحبس فردا إنما حبس المجتمع عن فرد ، وهذا عقاب أكبر وأشد ؛ فقد ترك الإسلام المجرم حرّا في المجتمع ولكنه حبس المجتمع عنه ؛ فالمجرم يمشى فلا يجد من يكلمه أو يضحك له أو يفرح معه أو يشاركه حزنه . وحدث ذلك عندما حبس المؤمنون أنفسهم عن ثلاثة تخلفوا عن الغزو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى إن إنسانا منهم جاء ليقرب امرأته فرفضت . وحاول ثان أن يسلم على ابن عمه فما رد عليه السّلام فجلس يبكى . وقاطع كل الناس هؤلاء الثلاثة ، وهذه هي عظمة الإسلام ، لقد سجن المجتمع عن المجرم فتعذب المجرم بقطيعة المجتمع له .
« وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ »
أي ذكر بالقرآن أو بالمنهج أو بعاقبة مخالفة الإنسان للمنهج . والعقاب إما حبس وإما هلاك ، وذلك بسبب ما تكسب النفس . والكسب في اللغة معناه زيادة على رأس المال . وللكلمة اشتقاق ثان وهو « اكتسب » . ومرة تأتى الكلمتان في معنى واحد ، فالكسب يحدث دون افتعال ودون
تفسير الشعراوي — صفحة 3715 | محمد متولي الشعراوي