فإذا كان هذا بالنسبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكيف نفهم قول الحق هنا :
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( من الآية 68 سورة الأنعام )
إننا نفهم هذا القول على أساس أنه تعليم لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحينما ينزل أمر من السماء فرسول اللّه أولى الناس بتطبيقه ، فإذا كان الرسول يخاطب :
« وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ »
فإذا ما نسي إنسان لغفلة من الغفلات ، فليأخذ علاج اللّه للنسيان ، وهو ألا يقعد مع هؤلاء القوم الذين يخوضون في آيات اللّه في أثناء خوضهم ، ولكن عليه أن يتركهم ويعرض عنهم . إذن فالحق سبحانه وتعالى احترم خلقه ؛ لأنه وهو العليم بهم ، خلق لكل إنسان ملكة حافظة ، وملكة ذاكرة ، وملكة مخيلة ، وكل ملكة من هذه الملكات تؤدى مهمة : فالملكة الحافظة تحفظ المعلومات ، والذاكرة تأتى بالمعلومات المحفوظة القديمة لتجعلها في بؤرة الشعور . ولو لم يكن هناك نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان ؛ لأن العقل لا ينشغل إلا بقضية واحدة في بؤرة الشعور . وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور ، لا بد أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور .
لذلك لا بد من نسيان خاطر ما ليحل محله خاطر آخر . ولو ظل الإنسان ذاكرا لقضية من القضايا في نفسه لصار من المحال أن تدخل قضية جديدة أخرى . ولهذا خلق اللّه النسيان ، أي انتقال قضية ما من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور .
والإنسان منا يتذكر شيئا حدث من عشرين عاما ، ثم يمر هذا الحادث بالخاطر فجأة ، ويتساءل الإنسان ، كيف ؟ ويعرف الإنسان أن هذا الحادث كان محفوظا ومصونا في دوائر شعورية بعيدة . ولذلك نجد الإنسان عندما يريد استعادة معنى من المعاني فهو يترك لنفسه فرصة لاستعادة هذا الخاطر أو ذلك المعنى ، ولذلك يسمون هذه المسألة « تذكر » .
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( من الآية 68 سورة الأنعام )
ولماذا ينسب الحق النسيان للشيطان ؟ ، لأن حقائق الحق في دينه هي الصدق ،