تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3698

مساهمون:

ص٣٦٩٨
الكعبة ، فسلط عليهم طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، جعلتهم كعصف مأكول ، وهناك من أخذهم الحق بالصيحة ، وهناك من أهلكهم بريح صرصر عاتية ، وكل ذلك عذاب جاء من فوق تلك الأقوام . أما قارون فقد خسف اللّه به وبداره الأرض ، وكذلك قوم فرعون أغرقتهم المياه ، وهذه هي التحتية . فالعذاب قد يأتي من فوق أو من تحت الأرجل حسّيا ، وقد يأتي أيضا من فوقيّة أو تحتيّة معنوية ، ومثال ذلك العذاب الذي يسلطه اللّه على الطغاة الكبار المستبدين ، وقد يأتي العذاب من الفئات الفقيرة التي تعيش أسفل السلم الاجتماعي .
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
( من الآية 65 سورة الأنعام ) والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا يتبينها الرائي . و « شيعا » هي جمع « شيعة » . والشيعة هم : المتعاونون على أمر ولو كان باطلا ، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية واحدة . والمقصود بقوله الحق :
« أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً »
أي أن كل جماعة منكم تتفرق ويكون لكل منهم أمير ، وتختلط الأمور بين الاختلافات المذهبية التي تختفى وراء الأهواء ، وبذلك يذيق اللّه الناس بأس بعضهم بعضا . ولماذا كل ذلك ؟ لأن الناس ما دامت قد انفرطت عن منهج اللّه نجد الحق يترك بعضهم لبعض ويتولى كل قوم إذاقة غيرهم العذاب . ولكن أغيّر ذلك في ملك اللّه ونواميسه الثابتة من شئ ؟ أبدا ، فالسماء هي السماء ، والأرض بعناصرها هي الأرض ، والشمس هي الشمس ، والقمر هو القمر ، والنجوم هي النجوم ، والمطر هو المطر . إن الذي يحدث فقط هو أن يذيق اللّه الناس بعضهم بأس بعض ، ويصير كل بعض من الناس ظالما للبعض الآخر . وعندما نرى الناس تشكو ، نعلم أن الناس كلها مذنبة ، وما دام الكل قد أذنب وخرج عن منهج اللّه فلا بد أن يسلط الحق بعضنا على بعض حتى يعرف الجميع أنهم قد انفلتوا عن منهج اللّه لذلك يلقون المتاعب ، ولن يرتاحوا إلا إذا عادوا إلى أحضان منهج اللّه ؛ لأن منهج اللّه يمنع أن يتكبر إنسان مؤمن على أخيه المؤمن . والكل يسجد لإله واحد . ولهذا وضع الحق لنا العبادات
تفسير الشعراوي — صفحة 3698 | محمد متولي الشعراوي