تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3693

مساهمون:

ص٣٦٩٣
مسعى أيضا . وقديما كان محرّما على الطائرات أن تطير في جو مكة أو المدينة . حدث ذلك أيام أن كان الطيارون من غير المسلمين ، وذلك حتى لا يطير غير المسلم في الجو المقدس . أما الآن فقد صاز مسموحا للطيارين المسلمين أن يقودوا طائراتهم في أجواء مكة والمدينة المنورة . فالجو له حكم المكان سواء أكان المكان برا أم بحرا .
« قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً »
إن الدعاء بالفطرة يتجه إلى اللّه ، والدعاء هو طلب لشئ . والطلب يقتضى طالبا ، ومطلوبا ، ومطلوبا منه . والطالب هو من يدعو . والمطلوب منه هو من ندعوه ونسأله . والمطلوب هو الشئ الذي نتضرع بالدعاء رجاء أن يحدث . والطلب لون من الأمر ، لكن إذا ما جاء الطلب من الأدنى إلى الأعلى فلا تقل إنه أمر ، بل هو دعاء . وفي اللغة عندما نسأل الطالب أن يقوم بإعراب
« رَبِّ اغْفِرْ لِي » ، *
نجد الذي استذكر دروسه دون تفقه يقول : « اغفر فعل أمر » ، أما الطالب المتفقه في فهم دينه مع إجادة لدراسته فيقول بأدب الإيمان : اغفر هي فعل دعاء ؛ لأن الطلب إن صدر من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء ، وإن صدر من المساوى للمساوى فهو التماس ، وإن صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر . وحين ننظر إلى الحالة النفسية لمن تحيطه الكوارث والأحداث والنوازل وتضغط عليه الظروف ولا يجد من ينقذه ، هل مثل هذا الإنسان يأمر أو يدعو إنه يدعو بطبيعة الحال ، ويدعو بتذلل وامتثال وخضوع ، وهذا معنى الدعاء . . إنه السؤال بتضرع وخضوع . والتضرع يقتضى قولا ، ويقتضى فعلا ويكون التضرع بالوجدانيات والسلوكيات . ويخطئ من يظن أن هناك تضرعا بالقول دون أن يربط ذلك بفعل . فعند ما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن تتفضل عليه بشئ ، فهذا منه تضرع بالقول . لكن عندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن يفعل لك أمرا ، فهذا تضرع بالقول والفعل . وفي لحظة الخطر يدعو الإنسان ربه ولا يمكن أن يكون