تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3690

مساهمون:

ص٣٦٩٠
إذا ما غشيت بظلمة ثانية ، ثم بظلمة ثالثة ، حينئذ تصير ظلمات مركبة بعضها فوق بعض . والحق سبحانه قال :
« ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ » ،
وحتى نعرف أهي ظلمات حسّية أم ظلمات معنوية لا بد لنا أن نعرف الظلمة في معناها الحسى ، إنها ما يؤدى إلى عدم الاهتداء إلى الحركة المنجية ، إذن فكل أمر يؤدى إلى عدم الاهتداء - حسّيا أو معنويا - هو ظلمة ؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يسير في أموره بغير اهتداء ، والأحداث والكوارث التي يصعب على الناس أن يعرفوا طريق النجاة منها تعتبر ظلمة ، سواء أكانت ظلمة حسّية أم معنوية . والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا المعنويات بالأمور الحسّية ، والمراد بالظلمات هنا هي الأحداث والكوارث والنوازل التي تضيق أسباب البشر عن النجاة منها . والإنسان حريص دائما على نفع نفسه ، وتظهر التناقضات في أفعال إنسان عن أفعال إنسان آخر لاختلاف كل منهما في تقييم وتقدير النفعية . والمثال على ذلك واضح ونضربه دائما هو : مثال التلميذ الذي يذهب صباحا مبكرا إلى مدرسته ، وينتبه إلى أساتذته ، ويعود إلى منزله ليؤدى واجبه ، ويخرج من لذيذ الكسل ليجد لذة في العمل ، إنّه بذلك يحب نفسه ويريد النفع لها . أما التلميذ الذي ينام ويوقظه أهله فلا يستيقظ ، وإذا أيقظوه فهو يخرج من البيت ليتسكع في الطريق ، مثل هذا التلميذ يحب نفسه حبا أحمق لأنه يريد اللذة العاجلة التي تعقبها سلسلة من الآلام الآجلة . إنه ينتظر مستقبلا لا كرامة له فيه عكس التلميذ المجد الذي يتبوأ المكانة اللائقة به . والمثال الواضح أيضا في الريف هو الفلاح الذي يقضى وقته على المقهى ويسهر الليل أمام التليفزيون ويترك الأرض بلا حرث ولا رى ولا تسميد ، ولا يمكن أن تنتج الأرض التي يفلحها محصولا مساويا لأرض الفلاح الذي يأخذ بأسباب اللّه فيحرث الأرض وينتظم في ريها في المواعيد المحددة ، ويضع السماد المقرر لها ؛ لأن الذي أخذ بأسباب اللّه وتعب وبذل جهدا لا بد أن يعطيه الحقّ الرزق الوفير . أما الذي يكسل عن أداء عمله فقد أحب نفسه حبا أحمق قصير الأجل ، وأما الذي أخذ بأسباب اللّه وأقبل على عمله بحب وتقدير فقدد أحب نفسه حبا أعمق ، فيه نفع له ولغيره .
تفسير الشعراوي — صفحة 3690 | محمد متولي الشعراوي