تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3691

مساهمون:

ص٣٦٩١
إن كل حركة يصنعها الإنسان في الحياة إنما يريد بها نفع نفسه ، ولكن هناك اختلاف في تقدير النفعية بين إنسان وآخر ، والعاقل من يرى النفعية الآجلة المجدية ويعمل لها . وها هو ذا المتنبي الشاعر العربي يقول :
أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه * حريصا عليها مستهاما بها صبّا
فحب الجبان النفس أورده التقى * وحب الشجاع النفس أورده الحربا
حب الشجاع لنفسه - إذن - جعله طموحا إلى الحياة الخالدة كشهيد في سبيل اللّه ، وحب الجبان لنفسه جعله أسير الخوف على الحياة الفانية . فإذا ما صدم الإنسان بأحداث ونوازل وكوارث نرى نفعيته وهي تحركه إلى البحث عن أسباب للنجاة ، ويعتمد على أسبابه أو أسباب من هو قريب منه ، أما إذا عزّت أسباب البشر . وكان غافلا عن اللّه ، فإن الأحداث والمصائب والكوارث تعيده وتذكره بخالقه فيقول : « يا رب » ، وبذلك لا يبيع نفسه رخيصا . لكن إن خدع مثل هذا الإنسان نفسه من البداية وأعرض عن اللّه وتمرد على ربّه ووجد نفسه أمام الكوارث فهو يسلم أمره للّه في وقت الشدة ، فإن انجاب وانكشف عنه الضر عاد إلى كفره وتمرده . ولذلك يقول الحق سبحانه :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
( 67 ) ( سورة الإسراء ) ونجد الذين يقابلون الأهوال وتنتهى أسبابهم لا يكذبون على أنفسهم . بل يتجهون فطريا إلى الحق القادر على الأخذ بأيديهم . فلحظة أن تضطرب سفينة وتحيطها عواصف الموج والرياح ، وتختل آلاتها لا تجد إلا كلمة : يا رب . يا رب . يا رب على ألسنة كل ركابها بداية من « القبطان » والقائد إلى أصغر راكب بها ، وتجد من يتمتم بآيات القرآن توسلا إلى اللّه للنجاة . وكذلك لحظة أن تضطرب طائرة في الجو ، ولا يعرف قائدها طريقا للنجاة لا يقفز إلى أذهان الركاب وطاقم الطائرة إلا نداء التضرع إلى اللّه .