تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3687

مساهمون:

ص٣٦٨٧
تأتى أداة التنبيه هنا ؟ لأن الحكم القادم بعدها حكم مهم . والكلام - كما نعرف - واسطة بين متكلم ومستمع ؛ لأن المتكلم ينقل أفكاره وخواطره ومطلوباته إلى السامع . وهو قبل أن يتكلم يدير الأمر في رأسه : أيتكلم أم لا ؟ لكن السامع يفاجأ بكلام المتكلم ، والمتكلم قبل أن ينقل خواطره توجد في خياله نسبة ذهنية ، أي أنه يعايش مشروع الكلام ويتدبره قبل أن يتكلم ، أما السامع فهو يفاجأ ، وعندما تريد أن تقول أمرا مهمّا فأنت تحاول أن تضمن انتباه السامع حتى لا تفلت منه أية جزئية من كلامك ، فتقول : « ألا » لتشد انتباه السامع تماما . والحق هنا يقول : « ألا » ليأخذ انتباه السامع ، ويأتي بعدها قوله :
« لَهُ الْحُكْمُ » .
إذن : ساعة تسمع « ألا » فاعرف أن فيها تنبيها لأمر قادم
« أَلا لَهُ الْحُكْمُ » .
والحكم : هو الفصل بين أمرين ، ويختلف الفصل بين أمرين باختلاف الحاكم ؛ فإن كان الحاكم له هوى فالحكم يميل ، لكن الفصل بين الأمرين يجب أن يكون بلا هوى ، فالحكم بالميزان يقتضى أن تكون له كفة هنا وكفة تقابلها ، وساعة ما نضبط الميزان نحاول أن نوازن الكفتين لنفصل بين مسألتين ملتحمتين ، وما دمنا نريد التساوي فنحن نسمى ذلك : الإنصاف ، أي أن نقف في النصف دون ميل أو حيف .
« أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ »
وساعة يسمع إنسان
« أَلا لَهُ الْحُكْمُ »
فالواحد منا يعلم أنه سبحانه يحكم بين الخلق بداية من آدم إلى أن تنتهى الدنيا ، وكل واحد منا تتشابك مسائله مع غيره ، وما دام للّه الحكم فليس لغيره معه حكم ، ويحكم بين الخلق جميعا وفعله لا يحتاج إلى زمن ، ونتذكر هنا الإمام عليّا - كرّم اللّه وجهه - حين قالوا له : كيف يحاسب ربنا الناس جميعا في وقت واحد ، وبمقدار حلب شاة كما قال بعضهم ؟ فقال الإمام علىّ : « كما يرزقهم في وقت واحد يحاسبهم في وقت واحد » ، وهذه مسألة سهلة ليس فيها أدنى صعوبة أبدا . وقديما عندما كانوا ينيرون الطرقات كانوا يشعلون المسارج : هنا مسرجة ، وهناك مسرجة ، وعلى البعد مسرجة ثالثة ، وكان الوقاد يمشى ليشعل المسارج . . إلخ ، وارتقى العقل البشرى المخلوق للّه واستطاع أن ينير الطرقات بالطاقة الكهربائية أو الطاقة الشمسية وفي وقت واحد . ويقول الحق بعد ذلك :