لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق - إذن - بين الناس ؟ إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب ، فإذا قال الحق سبحانه وتعالى :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
( 18 )
( سورة ق )
فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات ، ويكتبون السيئات . وحين ننظر إلى البشر ، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات وقدرات ، وكلما تقدّم الزمن عرف الإنسان سرّا من أسرار اللّه يترقى به . وقديما عندما صنعوا جهاز التسجيل كان حجمه كبيرا ثم تقدم العلم حتى صغر حجم المسجل ، إذن كلما تقدمت الصنعة صغرت الآلة ، لدرجة أنهم صنعوا مسجلا في حجم الساعة ، ثم صنعوا آخر في حجم « فص الخاتم » ، وصنعوا مسجلا يشبه الحبوب ، وينثرونها في أي مكان عندما يريدون التقاط أسرار جماعة أو أسرار مجلس ، إذن كلما قويت قدرة الصانع دقت الصنعة . فإذا نسبتها للّه ، فأين دقة الذي صنعته أنت بجانب دقة صنعة اللّه ؟
فإذا كان واحد من البشر قد استطاع أن يأتي بمسجلات غير مرئية مع أن قدرته محدودة ، وحكمته في الصنعة محدودة ، فإذا قال ربك : إن هناك ملائكة لن تراهم وستحصى عليك أعمالك وهم غيب فقل على العين والرأس ، وسبحانه القائل :
كِراماً كاتِبِينَ
( 11 )
( سورة الانفطار )
وهنا يقول الحق :
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
( من الآية 61 سورة الأنعام )
وعندما أراد العلماء أن يعرّفوا الموت قالوا : الموت سهم ارسل ، وعمرك بقدر سفره إليك ، هو إذن سهم قد انطلق ، لكن عمرك يقدّر بمقدار سفره إليك ، وحين يقول الحق :
« حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ »
فهو ينسب الموت لمن ؟ . لقد أبهم اللّه زمانه ، وأبهم مكانه ، وأبهم سببه ، وأبهم قدره ، وهذا الإبهام هو أشد أنواع