تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3679

مساهمون:

ص٣٦٧٩
ففي أية ليلة ينزل فيها اللّه ؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك ؟ أم الليلة التي تشرق الشمس فيها في مكان ، وتغيب عن مكان آخر ؟ إذن ، فكل واحد من المليون من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار ، وهكذا نعلم أن اللّه معك ومع غيرك ، باسطا لك ولغيرك يده .
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
( من الآية 64 سورة المائدة ) لذلك لا تفهم قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها » « 1 » . لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين ؛ لأن يده مبسوطة في كل زمان وفي كل مكان وليس كمثله شئ .
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ » .
وعباده من مادة العين والباء والدال ، ومفردها « عبد » ، وجمعها يكون مرة « عبيدا » وأخرى « عبادا » . و « العباد » هم المقهورون للّه فيما لا اختيار لهم فيه ، وهم أيضا المنقادون لحكم اللّه فيما لهم فيه اختيار ؛ لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها : لا تصرف له في نفسه ، ولا تصرف له في نبضات قلبه ، ولا تصرف له في حركة المعدة ، ولا تصرف له في حركة الأمعاء ، ولا تصرف له في حركة الحالبين ، ولا تصرف له في حركة الكلية ، وكلها مسائل تشمل المؤمن والكافر ، والكل مقهور فيها . إن من رحمة اللّه أننا مقهورون فيها ولا رأى لنا ؛ لأنه لو كان لنا رأى في مثل هذه الأمور لكان لنا أن نسأل : كيف ننظم عملية تنفسنا في أثناء النوم ؟ . إذن فمن رحمة اللّه أن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا . ومن رحمة اللّه أن كلّا منا مقهور فيها ، فمن يستطيع أن يقول لمعدته : اهضمى الطعام ؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلى بالعمل ؟ ! ! . إذن فكل أمر مقهور فيه الإنسان ، هو فيه منقاد للّه ولا اختيار له . أما الأمر الذي لك فيه اختيار فهو مناط التكليف . ولذلك لا يقول لك المنهج : « افعل » إلا وأنت
هامش
( 1 ) رواه أحمد ومسلم عن أبي موسى في التوبة ، ورواه النسائي في التفسير .