تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3678

مساهمون:

ص٣٦٧٨
ميزانان بين مجالين . وما دام هو قاهرا ففي أي مجال وبأية طريقة سيكون الطرف الثاني مقهورا له ؟ إننا نعلم أن كل شئ في الكون مقهور له ، فقد قهر العدم فأوجد ، وقهر الوجود فأعدم . وقهر الغنى فأفقر ، وقهر الفقر فأغنى . وقهر الصحة فأمرض ، وقهر المرض فأصح . إذن فكل شئ في الوجود مقهور للّه حتى الروح التي جعلها اللّه مصدر الحس والحركة للإنسان يقهرها سبحانه . فإذا جاء إنسان وقتل إنسانا آخر بأن ضربه على المكان الذي لا توجد عند عدمه وفقده حياة بأن أذهب صلاحيته للبقاء تنسحب الروح . وهذا يوضح لنا أن الروح في الجسم هي المسيطرة ، لكن من ينقض البنية التي تسكنها الروح يذهب الروح ويخرجها من الجسم . ومرة يقهر المادة بالروح ، فيأخذ الروح من غير آفة ومن غير أية إصابة ويتحول الجسم إلى رمّة . إذن فسبحانه يقهر الروح ، ويقهر المادة ، ولا توجد متقابلات في الوجود عالية ومتأبية ومتمردة عليه - سبحانه - :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
( من الآية 61 سورة الأنعام ) والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على المقهور . وانظر أي تقابل في الحياة تجده مدينا وخاضعا لصفة القهر .
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ »
وكلمة « فوق » تقتضى مكانية . ولكن المكانية تحديد ، وما دام القهر يتطلب قدرة فهل يعنى ذلك أن القادر لا بد أن يكون في مكان أعلى ؟ لأننا نجد - على سبيل المثال وللّه المثل الأعلى - من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها . إذن فالقهر لا يقتضى الفوقية المكانية ، إذن فالفوقية المرادة هي فوقية الاستعلاء ، ونحن عندما تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
فهو ذات لا ككل الذوات . وصفاته ليست ككل الصفات ، وكذلك نأتى ونقول في فعله ، وعلى سبيل المثال نجد خلق اللّه يحتاجون إلى زمن ويحتاجون إلى علاج ، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن ، لكن هو سبحانه إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن ؟ لا ؛ لأنه لا يفعل بعلاج ، ولا يجلس ليباشر العملية ، إنما يفعل سبحانه ب « كن » ، إذن القهر في قوله :
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ »
هو قهر الاستعلاء . ولذلك يقول لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة لآخر رمضان » .
تفسير الشعراوي — صفحة 3678 | محمد متولي الشعراوي