تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3674

مساهمون:

ص٣٦٧٤
عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : صعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصفا ذات يوم فقال : « يا صباحاه » فاجتمعت إليه قريش قالوا : ما لك ؟ قال أرأيتم لو أخبرتكم أن العدوّ يصبّحكم أو يمسّيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : بلى ، قال : « فإني
نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ »
فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه سبحانه :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ »
« 1 » . والحق سبحانه إما أن يشل الجوارح ويعطلها ويمنعها من الحركة ، أو يأخذ الروح من الجسد ، فعندما يشل الجوارح ويمنعها ينام الإنسان ، وعندما يأخذ الروح ويمسكها يحدث الموت . ولذلك يجب أن نفهم أن للنوم قانونا ، ولليقظة قانونا ، وللموت قانونا ، ولكل قانون قواعده ، فلا قانون اليقظة كقانون النوم ، ولا قانون النوم كقانون الموت ، ولا قانون البعث كقانون الموت . فهناك يقظة ، ونوم ، وموت وبعث ، ومن الخطأ أن نأخذ قانون حالة ما لنطبقه على الحالة الأخرى . إن الحق يضرب لنا المثل الواضح فينا : فالإنسان منا له حالة من اليقظة تسيطر الروح فيها على حركته الاختيارية ، وعندما ينام تعجز الروح عن الحركة الاختيارية وتبقى الحركات الاضطرارية . فعندما ينام الإنسان قد يرى بعضا من الرؤى والأحلام يقابل فلانا ويراه مرتديا زيا معينا بألوان معينة ، فبأي شئ أدرك الألوان وعيونه مغمضة ؟ ، إذن فهناك وسائل إدراك غير العين . وكذلك الزمن يأخذ حظه في أثناء اليقظة ، لكن في أثناء النوم يرى الإنسان حلما في سبع ثوان ويحكيه في نصف ساعة . وقد ينام اثنان في فراش واحد ، أحدهما يحلم بأنه التقى بالأحباب والأصحاب ويأكل ويشرب ويسعد ويأنس ، والآخر يحلم بأنه التقى بأعدائه وعانى منهم ومن عراكه معهم ، إذن فالزمن اختلف وكذلك المعيّة . وهكذا اختلف قانون النوم عن قانون اليقظة . وكذلك يختلف قانون الموت عن قانون الحياة :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 60 ) ( سورة الأنعام )
هامش
( 1 ) رواه البخاري والترمذي في التفسير والبيهقي في الدلائل وأحمد والطبري .