تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3673

مساهمون:

ص٣٦٧٣
الاختياري ، وذلك حتى لا تفتتنوا في الروح ؛ لأن هناك أجهزة لا دخل لاختيارك فيها مثل نبض القلب والتنفس ، وغير ذلك من حركات أجهزة الجسم . وضرب لنا الحق المثل بأهل الكهف الذين أنامهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
( 25 ) ( سورة الكهف ) النوم - إذن - نعمة من اللّه جعلها في التكوين الذاتي ، ولذلك إذا أردت أن تنام فليس ذلك بمقدورك ولكنه بمقدور الحق . إنه يقال عن النوم : ضيف إن طلبته عنّتك - أي أتعبك - وإن طلبك أراحك . ويأتي النوم للمتعب حتى ولو نام على حصى ، وقد لا يأتي النوم لمن يتهيأ له ولو كان على فراش من حرير . والحق سبحانه يقول :
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
( 23 ) ( سورة الروم ) النوم - إذن - آية كاملة بمفردها ، ولا يأتي النوم بالليل فقط ، ولكن يأتي بالنهار أيضا ؛ لأن هناك أعمالا تتطلبها حركة الوجود ويقوم بها أناس في أثناء الليل ؛ لذلك ينامون بالنهار . ويتوفانا سبحانه بالليل ويعلم ما جرحنا في أثناء النهار ، ثم يرسلنا إلى أجل يعلمه هو سبحانه ، ثم يبعثنا في يوم القيامة لينبئنا بكل أعمالنا . وسمّى الحق النوم وفاة ، وسمى الاستيقاظ بعثا ؛ لأن الإنسان في مثل هذه الأحوال لا يملك حركته الاختيارية . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عندما وقف ليعلن بعثته بعد ثلاث سنوات من الدعوة سرّا :
( إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ )
إنكم لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا ) .