فالإيمان عمل القلب ، والإصلاح عمل الجوارح ، ولذلك يجب أن نصلح في الكون بما يزيد من صلاحه . ولنعلم أن الكون لم يكن ناقصا وأننا بعملنا نستكمل ما فيه من نقص ، ليس الأمر كذلك ، ولكننا أردنا أن نترف في الحياة ، وما دمنا نريد الترف فلنزد من عمل العقل المخلوق للّه في المواد والعناصر التي أمامنا وهي المخلوقة للّه . وأن نتفاعل معها بالطاقات والجوارح المخلوقة للّه ، ما دمنا نريد أن نتنعم نعيما فوق ضروريات الحياة .
ومثال ذلك أننا قديما وفي أوائل عهد البشرية بالحياة ، كان الإنسان عندما يعاني من العطش ، يشرب من النهر ، وبعد ذلك وجد الإنسان أنه لا يسعد بالارتواء عندما يمد يده ليأخذ غرفة من ماء النهر ، فصنع إناء من فخار ليشرب منه الماء ، ثم صنع إناء من الصاج ، ثم صنع إناء من البلور ، فهل هذه الأشياء أثرت في ضرورة الحياة أو هي ترف الحياة ؟
إنها من ترف الحياة . فإن أردت أن تترف حياتك فلتعمل عقلك المخلوق للّه في العناصر المخلوقة للّه ، بالطاقة والجوارح المخلوقة للّه ، وبذلك يهبك اللّه من الخواطر ما تستكشف به آيات العلم في الكون . ومثال ذلك : أن أهل الريف قديما كانوا يعتمدون على نسائهم ليملأن الجرار من الآبار أو الترع ثم تقوم سيدة البيت بترويق المياه . وعندما ارتقينا قليلا ، كان هناك من الرجال من يعمل في مهنة السقاية ، ويمر بالقرب المملوءة بالماء على البيوت . وعندما قام أهل العلم بالاستنباط والاعتبار اكتشفوا قانون الاستطراق ، فرفعوا المياه إلى خزان عال ، وامتدت من الخزان « مواسير » وأنابيب مختلفة الأقطار والأحجام ، وصار الماء موجودا في كل منزل ، هذا ما فعله الناس الذين استخدموا العقول المخلوقة للّه .
وكان الناس من قبل ذلك يكتفون بالضروري من كميات المياه ، فالأسرة كانت تكتفى بملء قربة أو قربتين من الماء ، ولكن بعد أن صارت المياه في كل منزل ، أساء الكثير من الناس استخدام المياه ، فأهدروا كميات تزيد عن حاجتهم ، وتمثل ضغطا على « مواسير » الصرف الصحي ، فتنفجر ويشكو الناس من طفح المجارى .
إن على المسلم أن يرعى حق اللّه في استخدامه لكل شئ ، فالماء الذي يهدره الإنسان قد يحتاج إليه إنسان اخر ، وعندما نتوقف عن إهداره ، نمنّع الضرر عن
تفسير الشعراوي — صفحة 3630
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٦٣٠